اراء

صراع الجنرالات.. طريق السودان إلى الهاوية

 

بقلم: د. صالح محروس محمد..

اندلعت منذ أيام الحرب بين الجيش السوداني بقيادة الفريق عبد الفتاح البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة حميدتي والتي في جوهرها صراع على السلطة تحركه قوى دولية وإقليمية لها مصالح في هذا البلد الغني بموارده المُفقر شعبه. وتزكي الصراع القوى التي تدعم حميدتي والقوى التي تدعم البرهان، والكل يرى مصالحه مع إحداهما. مما قد يطيل أمد الحرب وهذا ما لا نتمناه. فهل نحن أمام سيناريو ليبيا يطبق في السودان؟ وهل توجد دول يمكن أن تقوم بدور الوساطة لإيقاف الحرب؟ وهل ينتهي الأمر بدولة دارفور يحكمها حميدتي؟ للإجابة عن هذه الاسئلة نوضح ما يلي:

أولًا- الأهمية الاستراتيجية والتاريخية والاقتصادية للسودان:

لا شك أن أهمية موقع السودان الاستراتيجي وسواحله الطويلة على البحر الأحمر الذي يربط البحر الأبيض المتوسط بآسيا، هو أحد أكثر الممرات المائية زحامًا في العالم. وكذلك حدود السودان مع تسع دول أكثرها في أفريقيا جنوب الصحراء ودورها التاريخي في نشر الاسلام واللغة العربية في وسط وغرب أفريقيا، ناهيك عن الموارد الزراعية والحيوانية والمعدنية الضخمة التي تنعم بها السودان خاصة مناجم الذهب، مما أوجد تنافسا دوليا عليها في الفترة المعاصرة للاستفادة من خيراتها. وتحقيق المصالح من تعامل مع هذا العملاق التائه في مشاكله فتصارعت روسيا والولايات المتحدة والصين واسرائيل وتركيا وقوى اقليمية خليجية، لإقامة علاقات مع السودان وتحقيق مصالح مشتركة.

ثانيًا- حميدتي ومن يدعمه وخطورة الموقف:

محمّد حمدان دقلو المعروف باسم حميدتي (من مواليد 1975 في قبيلة الرزيقات) هوَ عسكري سوداني وهو قائد قوات الدعم السريع في السودان. انقطعَ عنِ الدراسة في سنّ الخامسة عشر بعدما توجّه لممارسة تجارة الإبل والقماش وحماية القوافل.. بحلول عام 2010؛ شكّلت السلطات السودانيّة «قوات الدعم السريع» بقيادة حميدتي انطلاقاً من مجموعة من الميليشيات التي كانت مُنخرِطةً في الحربِ الدائرة بدارفور. لقيت هذه القوات دعماً مُباشراً من عمر البشير وصارت قوّة موازيّة مكوّنة من نحو وصل عددها طبقا لبعض المصادر إلى 100 ألف مُقاتل ومجهّزة بالعتاد والسلاح. انخرطت مُباشرةً في الحرب وسطَ أخبار تحدّثت عن ارتكابها لجرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانيّة على غِرار اغتيال طلبة انتفاضة ايلول 2013.

ثالثًا- عبدالفتاح البرهان ودمج قوات الدعم السريع للجيش السوداني:

لا شك أنه من يملك صناعة القرار بالسودان هي القوات المسلحة السودانية والتي بين مطرقة روسيا وسندان أمريكا، فمعركة النفوذ بين روسيا وأمريكا إلى جانب صراع النفوذ الدولي والإقليمي على موانئ السودان يصقل كاهل الجيش السوداني. وفي زيارة مطولة للخرطوم مطلع آب عام 2022م. دعت “سامنثا باور”، المدير التنفيذي للوكالة الأمريكية، إلى انشاء جيش سوداني موحد تدمج فيه قوات الدعم السريع وقوات الحركات المسلحة تحت قيادة سياسية وعسكرية واحدة. كشرط أساس لاستمرار دعم الإدارة الأمريكية للحكومة الانتقالية، بما يحقق الاستقرار في السودان.

ويأخذ البرهان بالرأي الأمريكي في ضرورة دمج قوات الدعم السريع إلى الجيش السوداني. ويحظى بدعم وتأييد السعودية ومصر على وفق رأي بعض المحللين السياسيين. حتى لو كان يسعى لمجد كما يرى البعض إلا أن وجود جيشين في بلد واحد لا شك يهدد أمنها.

رابعًا- هل يقود الصراع إلى تنفيذ مشروع تقسيم برنارد لويس للسودان:

لم يكن السودان بعيدا عن الاستراتيجية الأمريكية الصهيونية، ففي كتاب صادر عن الموساد تحت عنوان “مهمة الموساد في جنوب السودان” شارك في تحريره كبار الباحثين الصهاينة، تحدث الكتاب عن الانتصار الاسرائيلي في جنوب السودان حيث أشار الكتاب إلى علاقة الموساد بحركة الانانيا منذ الستينيات من خلال التدريب والامداد وطلب الحماية عن طريق ايلي كوهين وسفارتيها في كل من يوغندا وكينيا. ولاحقا العلاقات مع الحركة الشعبية بقيادة “جون قرنق” من خلال التسليح والتدريب والدعم المالي إلى تحقيق الانفصال، حيث كانت اسرائيل أول الدول التي اعترفت بدولة الجنوب الوليدة، ورد الجميل سلفاكير بزيارة لتل أبيب شكرها فيها على دورها في انفصال الجنوب. ويقوم فكرة مشروع برنارد لويس في السودان على تقسيمه، إلى أربع دول أو كونفدراليات تحت مسمى الولايات السودانية المتحدة تحت لافتة حق تقرير المصير، لعب نظام الانقاذ دورا كبيرا في التعاطي مع هذه الاتفاقية بدءا من لقاء فرانكفورت مع الحركة الشعبية واعترافه بحق تقرير المصير للجنوب، وخلفه مؤتمر المعارضة في اسمرا للقضايا المصيرية 1995 ليسلك ذات الطريق، الذي كان بمثابة خارطة الطريق نحو الانفصال من خلال اتفاق نيفاشا 2005 وممارسة الاستفتاء 2010، الذي يعد تدشينا عمليا لمشروع برنارد لويس في السودان. واستنادا على خلفية ما تم في جنوب السودان، تم إدخال السودان الشمالي في صفقة القرن التي ابتدأها البرهان باللقاء الذي تم في “عنتيبي” شباط 2020 مع رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو، كمقدمة لإدخال السودان في مشروع التطبيع نظرا للدور التاريخي الذي ظل يمثله السودان في دعم القضية الفلسطينية منذ مؤتمر الخرطوم 67 (مؤتمر اللاءات الثلاثة).. فهل تدرك القوى المتصارعة خطورة الظرف التاريخي؟ وامكانية اعطاء الفرصة، لتنفيذ ما تبقى من مشروع برنارد لويس لتفتيت السودان؟.

خامسًا- المخرج من الأزمة ومبادرة لحل :

سرعة إعداد مبادرة تُعد من دول الجوار السوداني الذين يهمهم استقرار السودان وأمنه وأيضا تركيا. تتضمن أولا- وقف الحرب فورا حقنا لدماء السودانيين ثانيا- دمج قوات الدعم السريع في الجيش السوداني كسلاح في الجيش السوداني أيضا ثالثًا-  الاسراع في المسار الديمقراطي ومشاركة المدنيين السودانيين في الحكم جنبا إلى جنب العسكريين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى