التغيير في وجهة التحرير.. مركزية حزب الله في محور المقاومة وتحدياته في لبنان

بقلم: فؤاد البطاينة..
الوضع العربي الهزيل والمتراجع للتهلكة هو نتيجة فشل العرب حكاماً وشعوباً في التعامل مع القضية الفلسطينية كقضية وطنية ومركزية وجودية لكل قطر عربي، والمحصلة هي ولادة القضية العربية وطغيانها على القضية الفلسطينية، وهو ما يقلب أية التحرير من مبدأ، تحرير فلسطين يمر من العواصم العربية الى مبدأ، تحرير الأقطار العربية واستعادة سيادتها يمر من تحرير فلسطين، فما لم تتحرر فلسطين ستنتهي وينتهي معها كل العرب، وتتعمق معاناة الدول الإسلامية التي تسعى لمشاريعها الوطنية.
فقضيتنا كعرب وكمسلمين هي آلية تحرير فلسطين. وهذا التحرير لا يكون ولا يتحقق بتدمير الكيان الصهيوني من قبل أي جيش كلاسيكي طالما لم تتولد القناعة لدى المستعمرين والمستوطنين بعبثية وبخطر البقاء في فلسطين، حيث عندها فقط يتم استسلام العدو ورحيله، فالتحرير هو فكرة تُقنع قادة الاحتلال والسكان المحتلين والمستعارين بعدم إمكانية العيش في المستعمرة وبفشل الاحتلال، وهذه هي فكرة المقاومة الشعبية وفرادتها بمهمة التحرير.
المقاومة الفلسطينية تعاني، فهي مقيدة بظرف النظام الفلسطيني العميل والأنظمة العربية المعادية لها، وتعمل في طوبوغرافية فلسطين غير المواتية مردفة بحصارها بالحدود العربية المتعاونة، وبالوضع المعيشي المزري للشعب الفلسطيني في الداخل والذي لا يساعد على الصمود. ومع كل هذا وحصار المقاومة الغزية وتأثير المطبعين السلبي عليها، استطاع شعب فلسطين تحت الاحتلال، أن ينقلب على الواقع وعلى المعوقات ويخرج على العالم بمقاومة مسلحة وعمليات بطولية أدت لكبح جماح المطبعين والاحتلال ولفتت انتباه العالم للقضية الفلسطينية من جديد، فكيف نحمي ونعزز هذه المقاومة ونعمل على ترابط ساحاتها في فلسطين، هذه مهمة الشعوب العربية، ومحور المقاومة العربي – الإسلامي.
فالشعوب العربية بأحرارها يترتب عليهم دور حيوي ومصيري بأهميته في دعم المقاومة وشعبنا تحت الاحتلال بكل طريقة ممكنة، وكلها عبادة ومشروعة في القانون الدولي، أو في الدفاع عن النفس كحق تجيزه شرعة الأمم بميثاقها، من حيث أن إسهام أي عربي في دعم المقاومة أو في القتال معها يُعد دفاعاً عن النفس من باب عروبة فلسطين وكونها جزءاً من الوطن العربي، أو من باب أن قطره وشعبه مُستهدفاً في العقيدة الصهيونية ومشروعها. وكما يترتب الالتزام ذاته على الشعوب المسلمة من حيث أن فلسطين كلها وقف إسلامي.
أما على صعيد محور المقاومة، فمنه محور ايران – حزب الله هو الذي يمتلك برنامج التفوق الصاروخي والمُسيّرات كأداة للتفوق العسكري المعاصر في غياب استخدام النووي الذي لا يكون إلا في حرب عالمية يتحاشاها الجميع، أقول هذا المحور الذي يُقيم التوازن الردعي في المنطقة، ويوفر الحماية للدول العربية من مشاريع السحق والأفول بطريقة غير مباشرة، مطالب بمضاعفة دوره في تنمية قدرات المقاومة الفلسطينية فهي الأساس، وتعزيز الصمود الذاتي لسوريا بوجه العربدة الإسرائيلية وإنضاج مقاومتها الشعبية لتمكينها من طرد المحتلين، فلا يعتدل محور المقاومة ولا الوضع العربي بجبهة سوريا رخوة.
وبهذا إذا كان حزب الله يعتمد على إيران، إلّا أنه الرقم الأساسي في ردع أمريكا والغرب واسرائيل من مهاجمة إيران، نظراً لتهديده الخطير المباشر على الكيان، لاسيما من خلال قاعدة اشتباك مفهومة ضمناً وهي أنه في حالة الهجوم على إيران سيتدخل حزب الله، وفي حالة الهجوم على حزب الله لا تتدخل إيران، وبالمناسبة، ليس هناك ملف نووي إيراني عند طرفي التفاوض، وإنما هناك ملف صاروخي، وأمريكا تعلم أن مسألة تطوير السلاح النووي عند إيران لا تستطيع منعه، وبأنه مسألة قرار سياسي داخلي يصدر في الوقت المناسب.
فحزب الله هو نقطة الارتكاز في محور المقاومة بكل أطرافه في الإقليم وسلامته تَحمل على ظهرها سلامة فاعلية المحور وربما وجوده، ومع أن حزب الله كان دائماً محل الاستهداف أمريكياً وصهيونياً. إلّا أنه اليوم يتعرّض في لبنان لتآمر أمريكي ناشط ومباشر من خلال استغلال الأزمة اللبنانية ومأجوريها بعد تراجع دور فرنسا واهتزاز علاقتها بأمريكا. ولدينا هنا بشأن الحزب حقيقتان لا يجهلهما معسكر العدو، وهما.
ـ الأولى: أن لبنان يواجه واحداً من مصيرين، فإما أن تحتله وتحكمه “إسرائيل” وإما أن يحميه حزب الله.
ـ والحقيقة الثانية: هي أن قوة حزب الله ليست في مجرد سلاحه، ولا سلاحه مستعصياً على أمريكا وحلفائها، بل قوته في طبيعة حاملي هذا السلاح من مقاتلي حزب الله، والتي يعرفونها وتوقفهم عن المغامرة بمواجهته. فهو حركة تحرير عز مثيلها في التجربة التاريخية المعاصرة من حيث صلابة العقيدة القتالية الاستشهادية والتنظيم والتدريب والإنضباطية، واستعصاء القدرة على اختراقه استخبارياً أو أمنياً.
أما الخطورة القائمة على لبنان وحزب الله نتيجة التآمر الأمريكي الناشط والمباشر فهي في احتمالين. الأول والأقل خطورة هو في حالة نجاح جهود أمريكا القائمة لمصالحة جعجع مع باسيل، وهو ما يحقق نصابي اجتماع المجلس وانتخاب رئيس جهوريه يكون خنجراً بيد المتآمرين على لبنان والحزب، وخيارهم للآن هو جوزيف عون بعد اجراء تعديلات دستوريه بالزيف من خلال أغلبية برلمانية.
والاحتمال الثاني والأخطر، هو الوصول لصنع حرب الأهلية بواسطة انقلاب عسكري بذريعة تعبئة فراغ رئاسة الجمهورية، يقوده جوزيف عون المقرب جداً من أمريكا، والمختبئ بعمالته خلف حيادته وصمته، وذلك بتخطيط ودعم أمريكي – اسرائيلي وإسناد من ميليشيا كبير العملاء جعجع واستقطاباته.
والخطورة هنا تعززها تركيبة الجيش التي ستؤدي لتفككه في حالة الحرب أهلية. وعندها ربما تكون أطراف الصراع ثلاثة أو أربعة. وهذا سيُلحق لبنان بالسودان ويشكل البيئة اللازمة لتقسيمه لمحميات صهيونية. لا أرى خطوة أكثر حكمة الآن من أن يتجه حزب الله إلى أن يتساهل في التفاوض مع خيارات الطرف الآخر في اختيار الرئيس بشروط الحد الأدنى ومنها رفض خيار جوزيف عون. وذلك انتصاراً للبنان وللقضية العربية وإفشالاً لمؤامرة كبيرة على حزب الله. والصفقات الإقليمية أصبح لها اعتبارها.



