وفرة المُسلسلات… تشتت أذهان المشاهدين

كمال القاضي..
من الصعب الوقوف على حقيقة ثابتة لتميز عملا دراميا معينا في ظل الوفرة الكبيرة من كل الأصناف والألوان الفنية والشخصيات، غير أن فرص المُتابعة والفرجة تقل بالضرورة، مع تضارب مواعيد عرض المُسلسلات وتعدد الفضائيات، ناهيك عن توالي الفواصل الإعلانية التي تُفسد بدورها مُتعة المشاهدة وتقطع استرسال الأحداث فتكون النتيجة البحث عن مشاهد أخرى لمسلسل آخر، لحين انتهاء الفاصل الإعلاني الذي يطول زمنه إلى حد الملل، والرغبة القوية في الانصراف التام عن فكرة الترقب ومتابعة الحدوتة الدرامية وتطورها.
من هنا تأتي الأزمة في تكوين رأي مُحدد ودقيق عن العمل الفني وتفضيل الانشغال عنه، بدلاً من جحيم الإعلانات وتسلطها على الجمهور بأعمال مبدأ التكثيف للفوز بأكبر قدر من المساحات في أوقات الذروة.
هذه الأزمة تُمثل إشكالية كبرى تتكرر كل عام مع زيادة المُنتج الدرامي والمُنتجات الإعلانية بشكل طردي، في مُعادلة لا تتكافأ مُركباتها، حيث الغلبة والأولوية دائماً للإعلانات، ما يؤدي بالفعل إلى إضاعة فرص المُسلسلات الجيدة لميزة مُتابعتها والتفاعل الجماهيري معها، وبالتالي ضياع حق صُناعها ومُبدعيها في تلقي ردود الأفعال الإيجابية من جانب المُشاهدين، والوصول إلى درجة الرضا عن أدائهم والاستمتاع بالنجاح. لقد أفلح بعض النجوم من أبطال الأعمال الدرامية الجادة والمُتميزة في أن يتركوا أثراً قوياً لاجتهادهم في الأداء واستطاعوا بمجهودهم الفردي الوصول إلى أعلى درجات الإقناع في تجسيد الأدوار المُختلفة، وبالقطع اقتصر هذا التميز على مُمثلين ومُمثلات بعينهم، وفي مُسلسلات محدودة يأتي في مقدمتها مسلسل «وعود سخية» لبطلته حنان مطاوع التي بدت كأنها حالة استثنائية خاصة للغاية، أداءً وفناً وتطويعاً ماهراً للموهبة والقُدرات الإبداعية، فأعطت للعمل كله أهمية ومنحته مذاقاً مُختلفاً.
ولم يكن مسلسل «وعود سخية» مجرد حالة إبداعية خاصة بالبطلة، وإنما ظلت على التمكن والإتقان والذوبان الكامل في التفاصيل والمضمون في مُسلسل «سره الباتع» للمخرج خالد يوسف الذي يقدم أولى تجاربه الدرامية التلفزيونية بأسلوب جديد يمزج فيه بين أحداث تاريخية قديمة نسبياً، ووقائع مُعاصرة في بانوراما فكرية اجتماعية سياسية، تعتمد على ما سجله الكاتب والأديب يوسف إدريس في عمله الأدبي الأقوى بالعنوان نفسه.



