“باب الدروازة”.. الكاظمية المقدسة في ضمير زائر جنوبي

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الكاتب والناقد الكبير شوقي كريم حسن، ان رواية “باب الدروازة” هي رواية سيرية محورها مدينة الكاظمية المقدسة، في ضمير زائر جنوبي، قصدها بأول زيارة له الى العاصمة في شبابه.
وقال حسن في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: ان السارد علي لفته سعيد في روايته (باب الدروازة) الصادرة عن دار الشؤون الثقافية، يعمد الى الرجوع، مستذكراً ايام زيارته لأول مرة الى العاصمة التي تشكل لديه رعباً يؤثر فيما بعد على اسرار وجوده داخل مجتمع متنافر، يبدو في جوانية السرد، خالياً من الحياة سوى بعض الاشارات التي بانت داخل الخان، الذي اتخذه السارد منفى للكثير من اولئك الذين يبحثون عن خلاص داخل اضطراب شديد، تظهر عليه معالم الوقاحة والشراسة احياناً، يتحرك العالم السردي عبر كل مستوياته من خلال نقطة مركزية هي (خَلاوي) المعبأ بإشارات ظلت ملازمة له على مساحة السرد، خوف يبرره السارد مرات موقفاً اياه عند حافة الكشف المحتال، ويطلق له العنان في مرات كثيرة، تحاول الشخصية المركزية ايجاد الصلات بين عالم الخان الحذر شديد القسوة، وشوارع وازقة الكاظمية ومحل الثلج الذي كان المحطة الأساس في قيادة الأحداث واتساعها من خلال مكتشف عيني قد لا يكون السارد فيه سوى متفحص حذر شديد الريبة، ينقل ما يشعره مؤثراً ومفيداً في مسارات السرد الممتدة بخطوطها الفاعلة، داخل ايقاع ينتمي الى الشرح وتبياناته، أكثر مما ينتمي الى الوصف الخارجي، ثمة اعماق تتحرك منتجة افعال الرؤيا ومن خلالها تتم عمليات الروي السردي المتصاعد باتجاه غاياته، ثمة أكثر من غاية، تظهر سريعاً، لكنها تختفي دون ان تترك اثراً مهماً لدى متلقيها الذي يلاحق الاحداث من خلال الشخصية الفاعلة التي تحولت الى كاميرا تلفازية، تنقل كل ما تريد نقله دون تدخل حتى ان كان بسيطاً، وخارج الافعال التأثيرية أو ما يمكن تسميته الثيم الدرامية الصغيرة التي تسهم في تشييد الأحداث وايصالها الى مراميها الأساسية والختامية. وأضاف: يبقى (خّلاوي) المحور الناقل الذي لا يسهم في صناعة السرد، بل يأخذه جاهزاً ليحوله الى فاعل تأثيري، تسيطر عليه بعض ملامح الخوف والارتباك، والابتعاد عن ما هو غير قابل للإفادة من وجهة نظر السارد.
وتابع: تكمن قدرات (علي لفته سعيد) السردية في انه يقود السردية بهدوء، متخذاً من اللغة بساطا معرفيا شارحا، دقيق الاكتشاف، مثلما هو دقيق الاختيار، وهذه المكنة الاشتغالية ما جاءت عن فراغ، انما هي الدربة الكتابية عبر مسيرة طويلة تنقلت بين الرواية والقصة القصيرة والشعر، لهذا تنزع لغة السرد لديه الى ما نسميه الشعرية السردية، وهي محاولة متقنة تقدم الموسيقى الشعرية داخل الايقاعات السردية التي تقترب والمشهدية السينمائية، ذات التكثيف الصوري العالي والنامي داخل متلاحقاته الانتقالية، لغة السارد التدوينية لم تغادر الحياة بل ظلت أسيرة خطاها، خفيفة ملتاعة في مرات، وثقيلة ساخرة في احايين كثيرة، والسؤال الذي أراه ملحاً، ما الغاية من كتابة رواية سيرية كباب الدروازة أو هي قريبة من السيرة.. الافتراضية أو المتخيلة؟!.
وأشار الى إن القصدية الكتابية واضحة داخل (باب الدروازة) اذ تحولت الذات من مرحلة حاضرها المرتبك الشديد الاعتام، الى مستورات الازمنة وخفاياها التي اختارها الكاتب ووضعها بين يدي السارد العليم، الكلي المعرفة، حتى في دواخل النفس واطمارها حيث يقدم نماذج مؤهلة لان تبقى راسخة في ذهنية متلقيها، وهذا ما يؤكده ارنست همنغواي (ما لم تترك الشخوص الروائية في ذهنية القارئ ما تريد ايصاله وقوله، فلا فائدة منها) الرواية قيمة حكائية حتى وان حاول السارد تقديم البناء على الأفكار وبواعثها وفعالية شخوصها.
وأوضح: تبقى الرواية تدور داخل حلقة الكشف بتأنٍ دقيق، وقيادة مبهرة تعرف الى اين يمكن ان تتجه بالأزمنة والامكنة ايضاً، مادام الزمان قد تشكل فلابد من املاء فراغاته بأمكنة معروفة لدى المتلقي، لكنها غير مكتشفة، لهذا يقدم السارد، توضيحات مكانية دقيقة تبدأ من الخان ومخزن بيع الثلج، وتستمر باتجاه مرقد الكاظمين والفندق والأزقة المرتبطة بعضها ببعض.
وبيّن: ثمة خارطة دقيقة يقدمها الروائي على لسان سارده، دقيق الملاحظة، تزداد حيرة السرد دقة حين تظهر فتحية عند حوض الماء وجرأتها غير المعهودة لدى (خّلاوي) الذي يكشف عن أشد المظاهر النفسية ارتباكاً، فيحاول الهروب باتجاه نفسه، وهذا ما فعله في مرة قادمة حيث انزوى وحيداً خائفاً في مخزن الثلج، مراجعاً ذاته التي ظلت لا تعرف ما تريد حتى نهاية الرواية، التي تحولت في سردها الى زوج خالته بائع الثلج، المصدوم سياسياً، حيث يضع بين يدي (خّلاوي) مجموعة من الوصايا التي تنتهي عند (إياك والانتماء الى الأحزاب، حينها سيحل الخراب بك وبعمرك) الوصية هذه لم تبق داخل ماضي السرد، بل هي اشارة واضحة للقادم من الايام، وكأن علي لفتة سعيد، يهمس في اذن متلقيه (على الجميع الاستعداد للمعركة) ثمة ما هو أقسى من ضيم الاستذكارات لا محالة منه، تلك المسافة غير المكتشفة بين مهمتين ضرورتين هما السارد العارف والمسرود عنه المختفي وراء الافعال، المسرود عنه يتأمل ويصنع دون اعتراض أو حتى محاولة تغيير، ثمة قبول مطلق، دونما حتى هامش رفض أو اجراء ما يمكن ان يحيل السرد الى مواضع كشفية ثانية، المتبنيات ثابتة لهذا تأتي النتائج ثابته ودقيقة البحث.
وختم: ان “باب الدروازة” رواية عراقية المنبت والتاريخ، أعدها واحدة من اهم الروايات التي صدرت في الأعوام الاخيرة.



