مقابلة مدير مصرف لبنان الأخيرة .. مغالطات وارباك

بقلم/ د. زكريا حمودان..
الظهور التلفزيوني لمدير مصرف لبنان قليل جدًا، لذلك ينتظر الجميع ظهوره ليبني على ما قد يقدم من أفكار أو معلومات أو أجواء، توضح حقيقة الواقع المالي، انطلاقًا من موقعه المهم جدًا في هذه الأزمة.
لكن في الظهور التلفزيوني الأخير للحاكم، لم يكن هناك ما يقدمه من جهة، بالإضافة الى الكم الهائل من المغالطات التي واكبت حالة الارباك خلال الظهور من جهة أخرى.
في الشكل كان واضحًا أن المقابلة مسجلة مسبقًا ومنتجة بشكل يوضح الدقة العالية لعملية حذف ما يجب حذفه، لكن مع وجود ثغرة كبيرة تتعلق بالانسيابية لعملية تركيب المقاطع، في المضمون تركزت المغالطات الكبيرة في العناوين التالية:
١– إلقاء الكرة في ملعب الطبقة السياسية بشكل كامل.
٢– تناول أفكار غير دقيقة علميًا حول أهم أسباب الأزمة كعملية اقفال المصارف أو الامتناع عن الدفع الذي قررته الحكومة.
٣– التذرع بالقانون من أجل حماية نفسه وحماية شقيقه.
الطبقة السياسية والأزمة
انطلاقاً من واجبه الاساسي بحسب قانون النقد والتسليف فيما يخص الحفاظ على سعر صرف الليرة، ناقض حاكم مصرف لبنان نفسه من خلال إلقاء جزء كبير من اللوم على الطبقة السياسية. إنَّ المسؤولية التي تقع على عاتق من هو مسؤول عن الحفاظ على سعر الصرف، تمنعه من رمي الكرة في ملعب الحكومات بشكل كامل، إلا إذا كان شريكًا مع تلك الحكومات في الفساد المالي.
فالحاكم كان يعي بأنه يقرض الحكومات من أموال المصارف التي بدورها كانت قد وضعت لديه أموال المودعين، لذلك ما قام به من رمي للمسؤولية لدى الطبقة السياسية يحمّله هو المسؤولية كشريك لكل عملية تبديد لأموال المودعين، وأدى لانهيار الليرة التي هو مسؤول عن الحفاظ عن حمايتها.
استعراض المغالطات بشأن أسباب الأزمة
الأزمة المالية بدأت بالظهور تدريجيا قبل اقفال المصارف في ١٧ تشرين الاول من العام ٢٠١٩، ويعلم الحاكم بأن العديد من المصرفيين والسياسيين هربوا أموالهم قبل التحركات، كما أن الرابط بين الانهيار المالي واقفال المصارف علميا غير دقيق خاصة بأن عمليات التحويل التي حصلت خلال الاقفال كانت كثيرة بحسب المعلومات، وبالتالي فإنَّ الاقفال الذي حصل كان مقصودًا لترتيب معاملات مالية تخص الحاكم ومحيطه المالي.
أما بالنسبة للامتناع عن الدفع، فيجب تذكير الحاكم بأن الجزء الأكبر من تركيبة الدين العام تدور بين المصارف والمصرف المركزي، بالتالي فإنَّ ذريعة الامتناع غير دقيقة لو لم يكن هناك قرار بضرب الواقع المالي.
وفي سياق متصل بموضوع المصارف، تحدث الحاكم عن القروض التي دُفعت على سعر صرف ١٥٠٠ ليرة للدولار، في المقابل كان يعلم الحاكم بأنه المتحكم بتحديد سعر الصرف، وهو اليوم يتحكم به من خلال منصة صيرفة، بالتالي كان شريكًا بعمليات الدفع هذه، لأنها كذلك تخص بجزء منها متنفذين اقترضوا ارقاما خيالية لا تضاهي قروض المواطنين المنظمة بالتنسيق بين المصارف ومصرف لبنان.
التذرع بالقانون من أجل حماية نفسه وحماية شقيقه
عندما يقول حاكم المصرف بأنه لا توجد علاقة بين عمليات المصرف المركزي وشركة شقيقه يكون بصدد التذاكي على القانون، فالعلاقة القائمة كان عرابها الحاكم لصالح شقيقه الذي عمل كوسيط في شراء سندات الدين وحصل على نسبة مئوية كسب من خلالها أكثر من ٣٠٠ مليون دولار، فهل تحتاج الدولة لوسطاء؟ ومن هم شركاء رجا سلامة في الدولة اللبنانية؟ كما لا بدَّ والتركيز على ما ردده الحاكم من عبارات تشير الى انه متذرع بالقانون، لأنه يعلم بأنه متحصن بالشراكة مع جزء مهم من الطبقة السياسية بقراراته. لكن السؤال الأهم هنا: أين هو مبدأ اساءة الامانة في الوظيفة العامة، بالإضافة الى استغلال الموقع الوظيفي لتركيب صفقات متنوعة ؟.
في الخلاصة، تضمنت مقابلة حاكم مصرف لبنان الكثير من المغالطات التقنية، رافقها حالة من الارباك الكبير على الرغم من عملية المونتاج الفاضحة للحلقة.



