دلالة الضياع والعجائبية في البنى السردية لـ”رواية الباشا وفيصل والزعيم”

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى د. محمد ونان جاسم أن رواية “الباشا وفيصل والزعيم” للأديب باسم عبدالحميد حمودي التي تدور احداثها في العهدين الملكي والجمهوري الاول هي مثال عن دلالة الضياع والعجائبية في البنى السردية.
وقال جاسم في قراءة نقدية إن عنوان رواية ( الباشا وفيصل والزعيم) للأديب (باسم عبدالحميد حمودي) يوحي بجولاتها في التاريخ المحض؛ ولكن قراءتها تُبطل مكنونات هذا الإيحاء، فالرواية فنية غير تاريخية وإن اتكأت في متنها السردي على التاريخ فهي رواية مرتبطة بالتاريخ، وليست تاريخية في الوقت نفسه؛ لابتعادها عن الواقعية التسجيلية التي تشترطها الرواية التاريخية؛ لذا يمكن تسمية نصّها بـ(نص مولَّد)، والنصُّ المُولَّد – بحسب جوليا كريستيفيا -هو فعل بناء لا بنية، ومنبعه اللا وعي لا الوعي، (ينظر الرواية والتاريخ: نضال الشامي، ص: 78.)
وأضاف : إن قراءة السرد المرتبط بالتاريخ تحتاج إلى أمور عديدة منها : وعي بالأحداث ومعرفة بتوجهات السارد واطلاع غير تفصيلي على الواقع الاجتماعي الذي عاصر تلك الأحداث وقدرته على التمييز بين الأصوات المركزية والكلمات والأشياء، ومن ثمَّ يتأسس الوعي في المسارات الحدثية والمرتكزات الضامرة للأنساق الثقافية لزمن العمل السردي، وهذا الاحتياج يرسمُ منهجاً عاماً للقراءة القريبة إلى مكنون الفن.
وتابع: وتنحو الصياغة السردية مناحيَ عديدة بحسب ساردها وموضوعها وسياقها الاجتماعي بِشِقّيه السلوكي والذهني المستندين إلى الحقيقة أو التوهم، ,وسياقها التاريخي المكتوب أو المحكي غير المنفلت من جنبته الاجتماعية ، ونجد في رواية باسم عبد الحميد حمودي نزوعا مشاكسا تمثَّل في تجنيس المنجز والاستعلاء النصي ، فاستعلاؤه النصي لا يلاءم البتة تجنيس الرواية؛ لمباشرته وتسجيليته لكن المبنى الحكائي أدَّى وظيفة تهذيب هذه المشاكسة خلال بناء الرواية على تقنية منتمية إلى العجائبية إذ غادر الروائي الواقعية الحسية وانتقل إلى الإيهام بها بوساطة إحياء الموتى الثلاثة الممثلين لأركان الاستعلاء النصّي وهم الباشا ويقصد به نوري سعيد وفيصل الملك والزعيم ويقصد به عبد الكريم قاسم، فجمع ثلاث كينونات مختلفة فكرياً وزمنياً وتاريخياً، وكأن الرواية التزمت بما اشترطه هيدغر في خلق شخصيات تتسم بالتفوق المغاير للطبيعة أو المتداول ( ينظر الكينونة والزمان : مارتن هيدغر ، ترجمة : فتحي مسكيني ، ص: 121) أن الارتياب تمظهر في العلاقة التكوينية بين المرأة والله بوصفه ملجأً للمساكين وجاء الارتياب مبنياً على تقنية لفظية مثَّلها فعل الماضي (ردَّدت أكثر من مرة عبارة جنَّبنا الله شر الشيطان) فاليقين لا يدعو إلى تكرار الدعاء، وكانت الصورة المتخيلة للشيطان معادلاً موضوعياً للأزمنة المختلفة التي عاشها الصوت المركزي المتأرجح بين الذات القلقة والذات المتيقنة، وكان لثبات الصورة السلبية في ذهن البطل جانب نفسي فالواقع مرآة الذات وبالعكس وحققت صورتاهما صورة الذات وصورة الآخر أثراً لفظياً يشي بحضور تقنية المرآة.
واشار الى أن الذات الجائلة في النسق العجائبي ذات لا يحدُّها مكان، فهي تنتمي إلى اللا مكان بوصف المكان يمثل صورة من صور اليقين؛ لذا لجأ السارد إلى العري المناظر للا مكان فهو يرى الشيطان عارياً بما تحمل صورة العري من مكان صفري ودلالة فارغة، وظهر التردد في البنية الكلية للرواية ومعلوم أن التردد سمة مائزة للمنحى العجائبي الذي يعني : (تردد كائن لا يعرف غير القوانين الطبيعية فيما هو يواجه حدثاً فوق – طبيعي) ( عجائبية النثر الحكائي، ص:8.).
واوضح: ان الرواية ضمَّت مفاهيم قيمية كثيرة منها المفاهيم الاجتماعية التي جالت في ثيمة الوفاء للآخر، والمفاهيم السياسية التي جالت في اتهامات عديدة كالاتهامات بالعمالة ومثال الثانية الحوار بين عبد السلام عارف ونوري سعيد (قال السعيد: لا يسرني أن ـأجيبك ولكن الوقائع أثبتت ذلك أنت وكرومي كنتما بيدقين بيد تريفليان) (الرواية ، ص: 60)، والاتهامات بالجرائم كقول عبد السلام عارف لعبدالكريم قاسم: ( ألم تقتل الضباط الأحرار من أجل الحكم؟ أين رفعت والطبقجلي؟ ألم تشعل الفتنة بين الناس لتبقى في الحكم؟) (الرواية، ص:54). وبين ان الروائي حاول محاولتين المحاولة الأولى سعى جادَّاً أن يكون حيادياً؛ لكنَّ مساحة البطولة وتوزيع شخصياتها ألغيا حياديته فالمخالفون لعبد الكريم قاسم هم الملك فيصل والوصي عبدالإله ونوري السعيد وعبد السلام عارف وبعض الأصوات غير المركزية أو الصامتة كـ -صدام وكامل الجادرجي وسلام عادل – كل هؤلاء شغلوا مساحة سردية مضادة في الحوار أو في الرأي أو في النسق المضمر لمواقفهم السياسية لعبد الكريم؛ ممِّا أظهر عبد الكريم منزوياً في مساحة الخسارة – في الأغلب – ولا أظن أن هذه المخرجات السردية كانت مقصودة، بل كانت ملازمة لضرورات التاريخ والحكي في آن واحد.
ولفت الى ان المحاولة الثانية هي خلق مكان معهود وغير معهود في الوقت نفسه فجمع شخصياته في فندق بابل وهو مكان معهود ومتداول وينتمي إلى اللا معهودبة لامتناع جمع الموتى فيه، فأسست ثنائية المعهودية واللا معهودية بنية جمالية في الرواية، فضلاً عن الرمزية التي منحتها مجريات السرد للضياع أو الاختفاء الذي غادر بعده الرمزي في خاتمة الرواية ليتمظهر واضحاً بوصفه الخطاب المقصود (يختفي الجميع دون وصول الخارجين باب الفندق الكبير، إذ ضاعت بغداد وسط بغداد) (الرواية السطر الأخير منها).
وختم : لقد جمع حمودي اللا متوافقين في زمان ومكان واحد وحاول أن يفكك العلاقة اللا توافقية بوساطة توافق الزمان مع المكان، ويمكننا أن نقول أن الروائي بعلم منه أو دون علم قد حاكى ما ورد في السفر الخامس المتضمن تحضير روح النبي صموئيل الذي حاكم شاول قاتله، ونخلص إلى القول إن رواية الباشا وفيصل والزعيم نجحت خلال تفاعل تقنيات الحبكة المبتدئة بالاستهلال السردي والمنهية بالخاتمة – خاتمة الضياع- وتقنيات التبئير السردي المرتبطة بالرؤى والمواقف.



