“الورقة الكردية”.. اللعبة الأمريكية والتوظيف التركي

بقلم/ الدكتورة حسناء نصر الحسين..
كثرت التصريحات التركية في الآونة الأخيرة التي تتحدث عن تمهيد الطريق أمام عودة العلاقات التركية – السورية لمسارها الطبيعي فلم يفوت الجانب التركي فرصة للحديث عن عودة هذه العلاقات، في الوقت الذي كان يتساءل كثيرون عن سبب صمت الجانب السوري عن التعليق على هذه التصريحات وعدم الإدلاء بأي شيء ما عدا تصريح اخير كان لوزير الخارجية السوري منذ مدة والذي عبر فيه عن انفتاح سورية على هذه العلاقات ضمن شروط محددة اهمها خروج القوات التركية المحتلة من الاراضي السورية ووقف دعم انقرة للقوات الإرهابية والكف عن استغلال مياه الفرات كأداة حرب ضد الشعب السوري، وما تقوم به تركيا منذ يومين حتى الآن من عمليات عدائية جوية على عدة مناطق في الشمال السوري تحت ذريعة محاربة القوى الكردية المتمثلة بقسد وأخواتها على خلفية العمل الإرهابي الذي استهدف اسطنبول في اكثر المناطق الحيوية فيها والذي فيه الثقل الاقتصادي التركي المعروف بشارع الاستقلال.
وجدت تركيا في هذا العمل الإرهابي ذريعة لشن عدوانها على الاراضي السورية وتنفيذ مشروعها الذي بدأته منذ عدة اعوام المتمثل بإنشاء المنطقة العازلة والتي كان العمل العدائي المتمثل بعملية نبع السلام في عام ٢٠١٩م والذي انتهى باتفاق تركي – أمريكي على انسحاب الكرد مسافة ٢٥ كم عن الحدود السورية التركية مما شكل حالة تأجيل للمشروع التركي في الاراضي السورية.
ليعاود الرئيس التركي رجب طيب أردوغان اطلاق تهديداته المتمثلة بإطلاق عملية احتلالية برية بعد أن كانت طائرات جيشه قد شنت عشرات الاعتداءات الجوية على الاراضي السورية كعملية تمهيدية للعدوان البري وبالنظر لطبيعة المنطقة التي تشكل احد اهم بنك اهداف الاحتلال التركي المتمثلة بمنطقة منبج وتل رفعت وعين عرب وما عليها من تواجد للقوات الأمريكية المحتلة وللقوات الروسية الحليفة، هل فعلا الرئيس التركي ذاهبا إلى اطلاق هذا العدوان بدون تنسيق مع احد كما كان قد صرح مؤخرا عندما قال ان بلاده لا تحتاج لإذن من أحد للقيام بهذه العملية وعلى أمريكا أن تعرفنا جيدا.
اللهجة التي تحدث فيها الرئيس التركي لشنه هذا العدوان على حلفاء أمريكا المتمثلين بالقوات الإرهابية العميلة قسد وفي قطاع تتواجد فيه القوات الأمريكية المحتلة يأخذنا إلى أن نجزم بأن هناك اتفاق تركي – أمريكي اعطى الضوء الأخضر لأردوغان بشن عمليته الإرهابية البرية في الشمال السوري وبهذا تكون أمريكا قد باعت حلفاءها الكرد للمرة الثالثة بعد عملية غصن الزيتون ونبع السلام واليوم وامام لعبة المصالح الاستراتيجية العليا تبيع واشنطن عملائها الكرد من قسد وغيرها وتتركهم لقمة سائغة في فم النظام التركي من خلال العملية التركية البرية الجديدة التي تأخذ اسم مخلب السيف عنوانا جديدة يضاف إلى سجل انتهاكات النظام التركي لسيادة الدولة السورية والعدوان عليها دون اي تعليق أو استنكار من أي قوة دولية أو ممن يدعون حماية السلم والأمن الدوليين.
وجد أردوغان الهارب من الأزمات الداخلية في المتغيرات الدولية وتراجع الهيمنة الأمريكية والصراع الحاصل بين الناتو وروسيا في اوكرانيا فرصة ذهبية ليفرض سياساته الاستعمارية على الجغرافية السورية وتنفيذ مشروعه المتمثل بإنشاء منطقة عازلة في الشمال السوري واستكمال اهدافه بإحداث التغيير الديمغرافي الذي يسعى لتحقيقه أردوغان ليحل محل السكان الأصليين لهذه المناطق من عرب وكرد حلفاء النظام التركي مما يعرف “بالجيش الوطني “العميل للنظام التركي.
يحاول النظام التركي تمرير عمليته العسكرية الاحتلالية مستفيدا من تراجع الهيمنة الأمريكية وانشغالها بالحرب مع روسيا والدور الذي تلعبه تركيا مع روسيا في الملف الأوكراني والتقارب الكبير بين موسكو وانقرة بعد الحرب الروسية الاوكرانية وحاجة أمريكا لهذا التقارب التركي الروسي كدولة ضامنة في اي اتفاقيات مستقبلية بين اطراف الصراع الدولي في الملف الاوكراني وهذا بات واضحا من خلال الاجتماع الذي استضافته انقره على مستوى الاستخبارات الأمريكية – الروسية فازدياد الحاجة الأمريكية والروسية ايضا لدور انقرة في ملف الصراع الدولي الحاصل في اوكرانيا لغض الطرف عن هذه العملية التي لا قيمة لها بالنسبة للجانب الامريكي أمام الاوراق الاستراتيجية الكبرى، فالجانب الكردي صاحب العقلية الانفصالية والمرتهن بقراراته للأمريكي والذي رفض أكثر من مرة العودة للوساطات الروسية والتنسيق للعودة لتفاهمات مع الحكومة السورية سيجد نفسه مباع في سوق النخاسة الأمريكي، اما بالنسبة للجانب الروسي والذي عمل جاهدا في أكثر من مناسبة على عودة الاتصالات بين القوات الكردية الانفصالية ودمشق لإيجاد ارضية مشتركة يبنى عليها مستقبلا سيمرر لأردوغان هذا العدوان بناءً على رؤيته المتمثلة بوحدة الاراضي السورية وهذا الهدف الروسي يتعارض مع الحلم الكردي المتمثل بإقامة دولة كردية وتقسيم الجغرافية السورية.
يلعب الواقع الدولي دورا كبيرا في قرار النظام التركي الذي يحاول الاستفادة من لعبة التوازنات الدولية على المسرح العالمي والذي يجد فيه فرصة كبرى لتمرير احلامه العثمانية في سورية وهو الذي يعاني من ضغوطات اقتصادية وسياسية كبرى على مستوى القوات الحزبية المناهضة لحزب العدالة والتنمية وما شكله ملف اللاجئين السوريين الذي سعى هذا النظام منذ الايام الاولى للعدوان الكوني على سورية لصناعة ورقة اللاجئين السوريين لاستخدامها كورقة مساومة سياسية اقليمية ودولية ها هو يعيد استخدامها لكن في الاتجاه المعاكس ولن نستغرب ابدا لو رأينا استمرار عمليات الترحيل الاجباري للاجئين السوريين المتواجدين في الداخل التركي وعلى الحدود السورية التركية بعد أن يكون أردوغان قد نفذ عمليته الاستعمارية البرية في الشمال السوري وحقق اهدافه بإنشاء المنطقة العازلة التي تخفف عنه الضغط الداخلي المتمثل باللاجئين وبنفس الوقت يكون قد أسس لبناء مجمعات سكنية تخدم مشروعه بإحداث التغيير الديموغرافي الذي يهدف لتحقيقه ليذهب بعده أردوغان لخوض انتخاباته الرئاسية وهو منتصرا يستطيع ان يفرض شروطه في اي مفاوضات او تسويات اقليمية ودولية.
لكن.. ماذا عن ارتدادات هذه العملية بالنسبة للجانب الكردي فهل ستسلم الجماعات الكردية قسد ومسد بهذا العمل العدائي التركي ام ستأخذ المشهد الذي يرسمه أردوغان لانتخاباته وطموحاته الى مكان آخر؟ يتمثل بعودة العمليات الانتحارية والتفجيرات في الداخل التركي بما يقلب الموازين بين الهدف الذي يسعى اليه أردوغان والنتيجة وهل ستستفيق الجماعات الكردية الانفصالية من هذا المشهد الأمريكي – التركي وتعود لحضن الوطن ام انها ستبقى ورقة مساومات أمريكية معرضة للحرق في أي لحظة؟



