العراق يتحوّل الى مقلع لـ”ملايين المركبات” رديئة المنشأ

المراقب العراقي/ المحرر الاقتصادي..
تحبس نحو سبعة ملايين مركبة، أنفاس رئة العراق، التي تحولت شوارعه الى مقلع، لتجارب الدول في سياراتها الرديئة، فيما تخلّف تلك الكارثة التي حلّت بالبلاد، أنموذجا حياً لغياب قوانين تحكم التوسع العشوائي في الاستيراد غير المنظم، الذي يفوق القدرة الاستيعابية للطرق والجسور، مع استمرار التدفق غير المشروط للسوق بأرقام تتجاوز مديات الخيال يوميا، قد تنتج كارثة يصعب السيطرة عليها في المستقبل.
وتهدر تجارة استيراد السيارات سنوياً، أموالا هائلة تذهب الى دول تستثمر غياب القوانين ونفاذها في العراق، بتصدير سيارات لا تتمتع بأدنى مستويات المتانة، فيما لم تعالج الحكومات السابقة هذا الملف المعقد، باستثمار تلك الأموال بإقامة المصانع الخاصة بالسيارات وتطويرها، أو صناعة قطع الغيار داخلياً، للحد من هدر الأموال.
ورغم التحذيرات المستمرة التي تطلقها مديرية المرور العامة من تزايد تلك الاعداد وغياب التدقيق على المركبات الاستهلاكية، يراهن خبراء اقتصاد على إيقاف الرخص للوكالات التجارية للمعارض، التي تلجأ الى مناشئ سيئة، تهدر فيها أموال العراقيين، وتتسرّب من خلالها سيارات سرعان ما تتحوّل الى “سكراب مستهلك” غير صالح للعمل.
ويقول المهندس احمد جمال، ان غياب متابعة الجهات الرقابية سمح بدخول المركبات بشكل عشوائي، ترافقها أدوات احتياطية حوّلت السوق العراقية الى مركز تجاري لبعض الدول، كان بالإمكان استثمارها عراقياً، والتحوّل الى سوق تكتفي بمنتجها على أقل تقدير، إذا ما تجاوزنا الفائض الذي تعمل عليه الدول لاستحصال العملة وحركة سوق العمل الكاسدة.
ويذكر جمال، ان أعداداً كبيرة من المهندسين الاختصاص والحرفيين العراقيين سيتحولون الى منجم هائل، إذا ما رسمت الحكومة خطة لاستثمار الأموال داخليا وتقليص فرص استيراد المواد الاحتياطية بالاتفاق مع شركات رصينة تعيد صناعة السيارات الى مراحل متقدمة، تتماشى مع المتطلبات التي يشتغل عليها السوق.
وتحاصر بغداد وحدها مئات المعارض والشركات المختصة لبيع السيارات التي لا تخضع للرقابة والسيطرة النوعية، فضلا عن انعدام وجود سوق حرة لبيع السيارات القديمة التي لا تزال تمثل عبئاً في الشارع.
ويحث خبراء مال واقتصاد الحكومة ووزارة التخطيط على وضع دراسات واقعية تعالج مشكلة تكدس السيارات وزيادة أعدادها في المستقبل القريب واستثمار موارد البلاد بطريقة أكثر نضجاً، بعيدا عن القرارات الارتجالية التي سرعان ما تنتهي وتغيب مع استمرار أزمات ترمي بثقلها على البلاد المحمّلة بأورام غياب القوانين الحاكمة لسوق العمل.
وبرغم قرارات صدرت في أعوام سابقة تحاول الحد من الاستيراد للسيطرة على الشارع، ومنع تسلل مخلفات قديمة، تشحنها عدد من الدول عبر تجار عراقيين من خلال تحديد “سنة الصنع”، إلا ان ذلك لم يعالج الحالة المرضية المستديمة للسيل المتدفق من دون توقف، يرافق ذلك سوء الطرق الخارجية التي تصل معها الحوادث الى أرقام تزهق فيها الأرواح، بسبب غياب شروط الأمان والمتانة وتكسرات الشوارع التي طالها الإهمال ومنها ما يُعرف بـ”طرق الموت”.
ويذهب خبير المال والاقتصاد رغيد حسين، الى ذكر عوامل أخرى تفرضها كثافة المركبات في الشوارع العراقية على مؤسسات الدولة المعنية، في صدارتها التوسعة للطرق والانفاق والجسور، التي لا تزال لا تتماشى مع هذا الكم الهائل من السيارات.
ويؤكد حسين في تصريح لـ”المراقب العراقي”، ان ثمة خللاً يتعلق بطريقة الاستيراد الذي لا يخضع لشروط تفرضها أقرب الدول للحصول على المتانة التي ترافقها ضمانات تصل لسنوات تقلل خسائر مادية كبيرة يتكبدها العراقيون إزاء ما يعرف بمركبات “الوارد” التي تحتاج الى إعادة تأهيل يفرضها السوق بمبالغ طائلة”.
ويضيف الخبير المالي، ان “ضيق الطرق وتقادمها أوجد ما يعرف بوسائل التنقل السريعة “الدراجات، والستوتة، والتكتك”، فضلاً عمّا تخلفه هذه الوسائل الأخيرة من ارباك للشارع، فهي تؤثر على حضرية المناطق وتخلق ثقافة جديدة دخيلة على المجتمع العراقي”.
وتشهد العاصمة بغداد بشكل يومي، مشاهد لملحمة تخلفها طوابير الزحامات تختنق ازاءها الشوارع التي تتحوّل الى كتل حديدية متراكمة مع تزايد مضطرد تفرضه حاجة المواطنين للمركبات مع بنية تحتية متهالكة يسودها الإهمال.



