اخر الأخبارثقافية

النحّات صادق ربيع .. تحويل الطين الى رموز حية نابضة

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الناقد جمال العتّابي، أن الفنان صادق ربيع سلك الطريق الصعب في الفن التشكيلي، لم يجد إلا النحت وسيلة تعبيرية لنوازعه الإنسانية، فامتلك القدرة على إحياء مواد (الطين، الحجر، الحديد، الخشب) لتصبح رموزاً حية نابضة.

وقال العتابي في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: “الفنان صادق ربيع سلك الطريق الصعب في الفن التشكيلي، لم يجد إلا النحت وسيلة تعبيرية لنوازعه الإنسانية، فامتلك القدرة على إحياء مواد (الطين، الحجر، الحديد، الخشب) لتصبح رموزاً حية نابضة، استطاع أن يكتشف في هذه الخامات تعبيريتها الجمالية، كما تمكن من انتزاع اعتراف بقدرته على إضفاء المرونة والحيوية فيها”.

وأضاف: عن البدايات يتحدث: كنا أطفالاً في إحدى المدارس الابتدائية في الكاظمية، كانت أيادينا الصغيرة تحفر في الطين، تصنع أشكالاً لا معنى لها، كان لتشجيع معلم الرسم أثر في توجيهنا، فبدأنا نرسم بطريقة المربعات بعض الوجوه والمناظر الطبيعية، بما يجسد انشغالاتنا الطفولية، التي تثير فرحنا من الأعماق، ونشارك في معارض المدارس، ثم بدأت الخطوط تزداد عمقاً كلما مرّت الأعوام، كما لو كانت من صنع فنان محترف، تشبّعت عينا الطفل بجمال الطبيعة، وغرست هذه الفترة في نفسه حب الجمال.

وتابع: إن ربيع قطع شوطاً طويلاً بالنحت في حوار متصل مع الخامات، وما لها من دلالات خاصة، ووظيفة تشكيلية، ليخضعها لتصوره الذهني للشكل، وما يمنحه الملمس من قيمة فنية، لاسيما في منحوتاته الخشبية والمرمرية، على العموم فإن الشكل يشغل الجانب الأكبر من فكر ربيع، ذلك في تقديري بسبب انهماكه في التجريب، ساعياً إلى التجديد.

وأشار الى إن تنوع الحساسية في الفن، يمنحنا حق التأمل والاستذكار، كيف نضع اشتراطاتنا لفهم أعمال الفنان، كان منجزه الفني قد بني على النحت في المرمر والبرونز، فذلك يعني التعبير عن عالم مختزل حد التجريد الصافي، لا توجد لدى النحات إجابات عن معنى أعماله، حين تسأله عن ذلك يجيبك بوضوح، إن بيكاسو قال لأحد الصحافيين هل يجوز لنا أن نسأل البلبل ما معنى تغريداتك، رداً على سؤالي عن معنى إحدى لوحاته. ليس هناك من فنان يؤلف مشهداً ينهمك في تقريبه من إفهامنا كإجابة على الأسئلة، إلا إذا كان عارفا بأنه سيجابه بها، كان (لامبيدوزا) قد رأى الحياة ليست إلا كومة من رماد عظمي، يستلّ منها المرء بلا إحساس بالتعب، بعض الجمرات الذهبية من لحظات سعيدة.

ولفت الى إن الجوهر الخفي في أعمال صادق ربيع، هو مذاقها الإنساني الخصب، بارتكاز جميع الكتل والحجوم والجماليات في بؤرة منيرة واحدة، هي فكرة الحياة المطلقة، الوجد بالحياة، يقود النحات عبر مصغراته النحتية إلى العالم الأرحب، ثم يعود ثانية إلى نحتيات تتآلف فيها كل الأنغام المتعارضة لتصبح صوتاً واحداً يهتف باسم الحياة، دفاعاً عنها، وتجسيداً لإيقاعاتها، أو رصداً لحركتها.

وأوضح: في أعماله نوع من وحدة الوجود تتبعها فكرة العناق والتعالق، امتداداً لها وتواصلاً، بدفقها المستمر، الكشف عن رؤية النحات للعالم، لا بدَّ أن تلبي الدعوة الخفية في البحث عن المنحى الشخصي لحياته الفنية، لن يتيسر لنا ذلك إلا من خلال قراءة تاريخ الحركة الفنية ذاتها، حين برزت أعمال الفنانين العراقيين في مرحلة الرواد وما بعدها، إن دارس هذه المرحلة يمكنه تلمس المتغيرات الروحية والنفسية التي طرأت على الذات الفنية، فأحدثت في دواخلها ما يمكن أن يؤلف بوادر حركة فنية صاعدة، وتحولاً عميقاً في الرؤى والأساليب، ولعل أياً ما يقال عن اغترافات هؤلاء الفنانين من محيط الفن العالمي الحديث تكتسب مشروعيتها الذاتية في اقتحام عالم الخامات بالرمز والإثارة في مرحلة عاصفة من تاريخ الفن التشكيلي العراقي.

وبين: النحات كان واعياً بهذا الفيض الذي يستغرقه الشرقي في حالة الرجوع إلى التراث باستلهاماته، ومنحه نفحة جديدة من نفحات العصر وهو ما حدا به إلى مغادرة سطوح التجريد، ودفعه إلى أحضان النستولوجيا، كمتنفس من ضغوط عديدة، بدأت من توجّه الفنان كلما أمسك بأزميله ليجرح قلب الحجر تسيل منه الحقيقة التي تختفي في الأعماق.

وواصل: المتأمل لأعمال صادق ربيع سوف يجد نفسه مشدوداً بقوة فعل دينامية إلى هذه التكوينات التي تحمل هذا الدفين المكنوز الممتد إلى مرحلة الملحمية في أعمال جواد، والرحال، فاستطاع أن يبدع من خلال أسلوبه الشخصي المميز، فشكّل إضافة نوعية للنحت العراقي. بطاقة حيوية متناسقة ضمن وظيفة الأصل.

وختم: أعرف أن صادق ربيع بهدوئه العميق المتأمل، لديه تجربة لا بد من الوقوف عندها، والتعلم من حرفية النحت التي يتقنها، غير مهتم بما تمنحه له أعماله، يكفيه أنه راضٍ عنها، مستمتع بها، يتسلل إليك بلغة شفافة صافية، لا يضيع المستمع معها لحظة واحدة، إنه فنان متعدد المواهب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى