إقتصادياخر الأخبارالنسخة الرقميةتقارير خاصةسلايدر

ملح الجنوب ومورده الاقتصادي مُهدد بالزوال

المراقب العراقي/ المحرر الاقتصادي…
يحبس القصب أنفاسه، وينتظر مصيره مع الأهوار، التي أصبحت على موعد وشيك، لحفل وداع مأساوي مع المشحوف والأسماك، فالجنة التي كانت هادرة بالتنوع، تستعيد ذاكرتها حقبة مظلمة سابقة، قد إحالتها الى أرض جرداء، هذا ليس وصفاً متشائماً بقدر النزول أمام ويلات يتعرّض لها القاطنون بتلك البقعة المائية الخضراء، التي صارت عُرضة للمزايدات السياسية، وتخلّف النهر عن تزويدها بمغذياته اليومية، وعلى تلك الخُطى يطرح سؤال محوري، ما الذي جنته أهوار الجنوب بدخولها ضمن لائحة التراث العالمي ؟.
ينذر حال الأهوار وتراجع منسوب مياهها بخطر كبير، يُهدد آلاف السكان الذين يمتهنون من أزمنة سحيقة، تربية الحيوانات وصيد السمك، فضلا عن وجودهم الذي يعد ملح المكان وديمومة جماله، لكن الحكومة تغيب على ما يبدو في وادٍ آخر، أكثر بعداً من أمنيات البسطاء، الذين تتوالى عليهم ظروف صعبة، قد تجبرهم على الهجرة ونسيان المكان.
يحزم حميد سالم (60) عاما، أمتعة أسرته للتوجّه الى مدينة الناصرية، بعد ان زحف الموت نحو ماشيته، وهو يحاول ان يحافظ على ما تبقى لإدامة حياته في المدينة، ويعلّق على حال الأهوار متهكما: “هذه البقعة طالما تناستها الحكومات، وأصبحت مكاناً يقلق الساكنين، فعملية البقاء تحتاج الى مستقبل آمن، نستطيع معه الاستمرار مع مجاديف الأجداد”.
ومع ازدياد مخاوف السكان يسعى مركز إنعاش الأهوار لاتخاذ إجراءات قد تعالج الأزمة، إذ يقول المسؤولون فيه، أنهم شرعوا بعملية تطهير وتنظيف وتوسيع المنافذ المائية، لتركيز كميات المياه المتيسرة داخل الأنهار المغذية للأهوار التي تم تنفيذها داخل محافظة ذي قار.
لكن سكان محليين في ميسان يرون، ان الجهود تحتاج الى تحرّك دبلوماسي لزيادة الحصص المائية، وإعادة تدفق شرايين الحياة الى هذه المرافق الحيوية، ولاسيما أنها قد تحولت في الآونة الأخيرة، لمقصد سياحي مهم من محافظات العراق ووفود أجنبية، فضلاً عن ما تدرّه من مصدر للرزق للساكنين فيها.
ويؤكد الخبير الزراعي محمد لفتة لـ”المراقب العراقي”، ان وضع الأهوار لا يحتمل إطلاق شعارات ووعود حكومية مستهلكة، بقدر النظر إليها من أبعاد اقتصادية وبيئية خطيرة، إذا ما استمر إهمال الأهوار”، لافتا الى ان “الحكومة أدارت ظهرها لهذا الملف الحساس والمتعلق بتراث العراقيين ومصدر أرزاقهم، لاسيما أنها من الثروات المهمة التي يعتمد عليها الجنوب كمصدر سياحي كبير، سيتحول الى قبلة إذا ما استثمر بشكل مدروس”.
ويتعرّض العراق لموجة جفاف خطيرة عجزت أمامها الحكومة عن وضع خطة لتفادي المشاكل المترتبة عليها، في الوقت الذي يقول فيه مختصون، ان المتغيرات الجغرافية، فضلا عن تسببها بزيادة معدلات الفقر وهجرة الأرياف الى المدينة، فهي تُعرّض البيئة الى زيادة كبيرة في نسب الملوثات.
وحتى اليوم ظلت الأهوار خالية من التطور الخدمي، برغم مضي خمسة أعوام من تأريخ إدراجها على لائحة التراث العالمي، ولم تظهر آثار ملموسة تدل على نية حقيقية لدعم هذا الملف، برغم الوعود من المسؤولين في الوقت الذي يفترض فيه ان تقوم الحكومة بمطالبة المجتمع الدولي للضغط على الجانب التركي لزيادة الإطلاقات وتهيئة المكان بما يتناسب وحجم أثره التراثي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى