الحظر الأوروبي على روسيا والمفعول العكسي

بين البحث عما يضمن أمن الطاقة للقارة الأوروبية وكيفية مواجهة فلاديمير بوتين، ومن خلفه الدولة الروسية، أهملت الدول الأوروبية الرئيسية الخيار الأول، واتخذت، بالتنسيق مع الولايات المتحدة الأميركية، قرارها بتحديد سقف لسعر النفط والغاز الروسيين، بهدف التقليل من المداخيل الضخمة التي يمكن أن تستخدمها الدولة الروسية في تمويل عمليتها العسكرية المستمرة في أوكرانيا.
وإذا تعمّقنا في محاولة تحليل القرار الأوروبي، يمكن بسهولة لمس فلسفة غربية تعتقد بانعدام الأثر العكسي وضآلة تأثير نتائج أيّ قرار بمعاقبة دولة معينة، مهما كان موقعها قوياً في منظومة توازن القوى الدولي أو في بنية الاقتصاد العالمي، مقارنةً بما يمكن أن يتحقّق لها من مكاسب.
إضافةً إلى ذلك، تكمن إشكالية الفلسفة الأوروبية للعلاقات الدولية في تقديرها المعايير الأوروبية كقواعد آمرة تفترض التزاماً عالمياً بها، فأي خيار تتخذه الدول الأخرى بما يتعارض مع هذه المعايير أو بما لا يتوافق معها على الأقل سيعرّض الدولة صاحبة القرار لوطأة التهديد بالعقوبات والعزل الدولي، بهدف إرغامها على العودة إلى صراط المعايير الأوروبية.
الظروف التي أفرزتها الحرب الباردة، من خلال تظهير انهيار الاتحاد السوفياتي كانتصار نهائيّ وحتميّ للفلسفة الغربية وحضارتها، ساعدت في ترسيخ فوقية غربية تملك وحدها سلطة تقرير مصير الدول الأخرى، من خلال توزيع شهادات حسن سلوك أو من خلال عزلها وإسقاط أنظمتها.
وإذا كان الواقع حتى وقت قريب يفترض امتلاك الدول الأوروبية إمكانيات تجعلها قادرة على المناورة والتأثير، بما يحقق أهدافها الاستراتيجية البعيدة المدى، فإن عدداً من القضايا الدولية المعاصرة أثبت عكس ذلك، فالفاعلية الأوروبية المرتكزة على التكامل الذي أمّنه الاتحاد الأوروبي لم تكن منعزلة عن التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة الأميركية.
وعلى الرغم من الثقل المعنوي والاقتصادي لمجموع الدول الأوروبية، فإنَّ التوافق بين ضفتي الأطلسي هو الذي كان يكفل دائماً للقرارات الأوروبية تأثيرها، ويجعلها قادرة مبدئياً على أن تحقق الأهداف المتوخاة منها. أما في الحالات التي شهدت تعارضاً في الرؤى بين الضفتين، فإن الموقف الأوروبي كان يبدو ضعيفاً، مهما كانت إمكانيات الدولة المستهدفة محدودة.
من ناحية أخرى، تبدلت موازين القوى الدولية، إذ إنَّ بعض القوى التي تدأب على استرجاع موقعها الدولي كروسيا، أو تلك الساعية لتكريس موقعها الدولي أو الإقليمي، كالصين وتركيا وإيران، وحتى المملكة العربية السعودية، أيقنت أن التفوق الغربي ليس حتمية تاريخية يفترض التسليم بها إلى ما لا نهاية، وإنما مرحلة محكومة بمجموعة من العوامل التي بدأت تفقد تأثيرها.
وعلى الرغم من الترتيبات الاستراتيجية التي شهدتها أوروبا الشرقية بعد انهيار حلف وارسو ، والتي كرست ضرورة مراعاة الهواجس الأمنية للدولة الروسية من خلال الانفتاح الغربي عليها، وتعهد عدم تمدد حلف شمال الأطلسي نحو دول الجوار الروسي القريب، تبنى الاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع الولايات المتحدة الأميركية، سياسات مناقضة لروح التفاهم السابق الذكر، إذ طبقا استراتيجية أساسها ضم بلدان أوروبا الشرقية إلى الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي، وعمّقا بالتوازي هوة الخلاف مع الدولة الروسية، من خلال رفض تفهم هواجسها الأمنية.
وبناء عليه، يصبح من المنطقي طرح سؤال عن الجهة المتأذية من الحظر الأوروبي على روسيا؛ فبين دولة اتخذت قرار المواجهة كسبيل وحيد لضمان أمنها، وفق رؤية أخذت بالاعتبار كل الخيارات التي قد يلجأ إليها الغرب، ومجموعة من الدول التي خضعت لواقع لا يقترب من مصلحتها، ولا يعبر عن رؤية واقعية لمستقبل شعوبها، يمكن القول إنَّ الحظر على روسيا سيرتد على دول أوروبا بأثر سلبي يتجاوز أضعاف ما توخاه الغرب عند اتخاذ قرار.



