العائق الحقيقي للإصلاح الهيكلي في الاقتصاد العراقي

د. هيثم حميد مطلك المنصور..
بعد ان شهد العراق توسعاً كبيراً في إنتاجه النفطي، وارتفاع أقيام صادراته منه، وتحقيق فائض الأرصدة المالية العامة والأرصدة الخارجية منذ عام 2021 والى الآن، لا يزال صاحب القرار متردداً في إجراء أية خطوة من شأنها الشروع في الإصلاحات الهيكلية العاجلة في مسار النمو والاستقرار، فعلى الرغم من إقرار قانون الأمن الغذائي، فأنه لا يزال مقيداً في التنفيذ لأسباب كثيرة لسنا في صددها، مما يعيق حركة إعادة ضخ الأموال النفطية في مسارها الصحيح، وذلك لوجود العديد من العوامل التي تعترض أية عملية أو قرار يستهدف هذين الهدفين، من أخطرها على أداء وتوازن القطاعات في الاقتصاد الكلي، هشاشة بنية الاقتصاد العراقي.
المقصود بالهشاشة عدم تنوع مصادر الدخل في قطاعات الاقتصاد الكلي، إذ يمكن تشخيص هذه الهشاشة في واقع الاقتصادي العراقي، أنها تخضع لعوامل عدة، من بين أهمها على الصعيد الحالي، عامل التجاذبات والصراعات السياسية لتشكيل الحكومة والتي نشأت منها العديد من المشاكل المالية، من أخطرها عدم إقرار الموازنة، وعوامل تراكمية تتعلق بطبيعة الواقع الاقتصادي ذاته، والإشكاليات المتعلقة بانخفاض قدرته على الإنتاج والتصدير وتكوين التراكم الرأسمالي التقليدي غير النفطي ، لصالح سيطرة القطاع النفطي على عملية توليد الدخل بسبب عدم قدرة قطاع الأعمال والسوق المالية على جذب الاستثمارات والقيام بها بالشكل اللازم منذ 2003 وحتى الآن، بسبب ما يعانيه القطاعان من مشاكل كثيرة، من أبرزها عدم فاعلية السوق النقدية لتوليد قيم اقتصادية حقيقية، وعامل مزاحمة القطاع الحكومي للقطاع الخاص، ما أدى الى انخفاض قدرة الأخير على إقامة وجذب الاستثمارات اللازمة للنهوض بقاعدة إنتاجية متنوعة يمكنها الحد من دفوعات الدولار الاستيرادية، التي تغطي معظم مبالغها المالية من الإنفاق الحكومي، تسببت في تآكل القدرة الإنتاجية والتنافسية للبلد، وأضعفت أداة مهمة من أدوات السياسة المالية في اقتصاد السوق، وهي الضرائب، ما راكم من ضغوط التضخم وخفض من قدرة السياسة على استيعاب ارتفاعاته المستمرة، لذا فان فاعلية أداء السياسة الاقتصادية يتأرجح بين هذه العوامل، فضلا عن العديد من العوامل غير الاقتصادية، تتصل بواقع الإدارة من أخطرها الفساد الإداري المستشري في مفاصل المؤسسات العامة والخاصة لأسباب كثيرة، من أهمها غياب تنفيذ القانون والبيروقراطية والمحسوبية والمنسوبية، كذلك العوامل غير الاقتصادية التي تتصل بطبيعة المجتمع ومؤسساته المختلفة وسلوكيات أفراده التي تعمل على خفض قيمة عائد رأس المال ونشاط الاستثمار الخاص.
كل هذه العوامل تعمل بشكل متضافر على تشويه مسار بلوغ الأهداف العامة للسياسة الاقتصادية بمفهومها الشامل، وفي ظل غياب الإصلاحات الهيكلية في القطاع الحقيقي ستظل الهشاشة الاقتصادية ومسبباتها الكثيرة، عائقا حقيقيا لقدرة الاقتصاد العراقي على استيعاب إمكانات النمو والاستقرار.



