“دمي وحرائق” .. دوي الفقد وتجربة الحرب

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الناقد المصري خالد جودة أحمد، إن مجموعة قصص “دمي وحرائق” للقاص العراقي عبد شاكر عبود، تؤطّر حالات الفقد والاغتراب السافر في الوطن العربي، وإن كانت استمدّت جانبًا كبيرًا من مضمونها القصصي من النطاق المحلي الخاص بالمواطن العراقي.
وقال أحمد في قراءة نقدية خصَّ بها “المراقب العراقي”: تقدم مجموعة قصص “دمي وحرائق” للقاص العراقي عبد شاكر عبود، أطلسًا للحزن، وتؤطر حالات الفقد والاغتراب السافر في وطننا العربي الكسير، وإن كانت استمدت جانبًا كبيرًا من مضمونها القصصي من النطاق المحلي الخاص بالمواطن العراقي الكريم. لكنها في الحقيقة تجسّد أزمة الإنسان في أنحاء الوطن الأكبر من الخليج إلى المحيط.
وأضاف: القصص تقدم فكرة أن الأدب في رسالته السامية ليس مقصودًا لراحة القرّاء وتسليتهم، ولكن لإصابتهم بالقلق والوعي بالوجود، حيث يوسع مداركهم ونطاق مشاعرهم لتلقي صدمات الواقع. ليس صيحة للتشاؤم، لكنها صيحة للتبصير بالأخطار، وتحفيز لمكافحة المظالم وسحق الإنسان.
وتابع: وقد عمد القاص منذ لحظته الأولى في لقاء القراء وطوال السرد في تقديم قاموس لغوي مثير، وصور بيانية راقية صاخبة بالأسي، وجمل قصيرة ناجزة مؤلمة، وتوظيف مكثف لمفردات تنتمي لحقل دلالي سرمدي في عذاباته. فالتنويع في القاموس اللغوي يخبر عن موهبة قصصية متدفقة، تستطيع تثمير الحبكة وكسوتها بثوب لغوي معبر. وهذا الشأن اللغوي وتنويعه الكبير شكل العناوين جميعا، والمتون القصصية كموج هادر، أنموذجًا عناوين قصص مثل: “ليل شديد السواد”، “حدائق فارغة”، “قفص”، “آتون”، “دمي وحرائق”، “ضباب ودخان”، “افتقاد”، …. فاللغة مرآة تناظر حالات شتى من التعبير عن مأساة متجددة متلاحقة الأحداث.
وواصل: لذلك دافعت المفردات أكتاف بعضها البعض في حشد تفاصيل كثر تمنح الإيهام الفني بالواقع، وتجسد حالات فقد الأقرباء والأخوة والأحباب وتغييب وجودهم الملهم للروح، وانتظار عودتهم القاسية. ففي قصة “ربيع غائب .. خريف عائم” انتظار امتد لأكثر من عشرين خريفًا أن يطرق الباب الحبيب الغائب. وحضرت الأشياء تجسم قسوة الانتظار: “قفص للطيور خالي / أدوات حياكة ورسم / سجادة صلاة / صمت مطبق …”. وعند عودته تحققت المفارقة بالمآل الحزين عبر بوابة حشد الأشياء: “تقاطيع مدمرة / أسنان متساقطة ومصفرة / …”، وترقي للسخرية الداكنة: “همس لها منكسرَا: مساء الخير”.
وأشار الى إن الطابع اللغوي المكثف، وحشد التفاصيل الهادرة، ووهج مشاعر شخصيات القصص الحزينة، حقق تقنية قصصية مناسبة للأداء القصص المنهمر وهي “واسطة العقد القصصية”، والتي تعني وضع نقطة ارتكاز للتجميع لعدد من حبات العقد المنظوم “فقرات نصية”، بمعني أن عددا كبيرا من قصص المجموعة تشتمل تنويعات أو وحدات “حبات العقد”، لكن هناك مرتكزا تنتمي إليه هذه الجزئيات. أنموذجًا: قصة “مثوي”، حيث تأسس عقد القصة وحباتها المنظومة مجسدة في غرف كثيرة وكبيرة، باردة ومظلمة، تتضام وسط بناء دائري الشكل خرافي التصميم والضخامة. ومرتكز العقد المنظوم “مأساة العراق الكريم” والتي قدمها السرد بتقنية التلخيص في الخاتمة. أما وحدات السرد “الغرف” فشملت: “غرفة خارطة الوطن المحترق/ غرفة الصحراء / غرفة الضريح / غرفة مطلة علي جبال شاهقة / ….” وغيرها من تنويعات الخيال الممتعة بالقصة.
وأوضح: استعمل القاص تقنية أخرى مصاحبة مستمدة من عالم الوسائط الحديثة، وهي تقنية “الارتباط التشعبي”، بالنقر على عقد نصية تقود لتنويع أو مسار محدد ثم الخروج والعودة للصفحة الرئيسة، وهنا العودة للبناء الضخم للغرف جميعا ليفتح باب غرفة أخرى وهكذا دون توقف. أي نقر رابط معنى تجسده كل غرفة، وعند الدخول تحدث تحولات مرعبة، فغرفة نهر الماء الرقراق جفت كاشفة عن عظام بشرية وبنادق مدماة، وغرفة النخلة السامقة تساقط عليه رؤوس أطفال مذبوحين بدل من الرطب الجني … وهكذا. حتى تبقي غرفة في خاتمة القصة دون كشف لأن مفتاحها صدئ. ربما بحثا عن الأمل الغائب. وعنوان القصة “مثوى” يساهم في إنتاج دلالة القصة حيث انتهت القصة بمفردتي “الهدوء والسكون” دال المأساة العصية. مع شيوع اللون الأصفر في القصص دال الموت.
ولفت الى إنه وفي قصته “أبواب وشبابيك” تحضر أيضا “غرفًا من نار ولظى”، وأبطالها يدورون ويعودون خارج نطاق حقيقة الحياة. وفي قصة “وطء” وصف حافل لتفاصيل المكان، وتنفس التفاصيل بتعبير القصة، واختزان الصور واللقطات. ويمكن بيسر حصد عقود القص المنظومة عبر رحاب القصص جميعا.
والقاموس القصصي العامر بمفردات مخزونة، لم تدع شاردة ولا واردة من عالم الأسي إلا جلبته قدر طاقتها. ليقف القراء على تخوم المأساة العصية بأداء بياني مؤلم، تصحبهم القصص بنفسها في دواخل ذوات إنسانية طحنتها الآلام: “أرواح تئن / إدمان الحرمان / دخان يتصاعد في أرجاء الروح / القي جثث بشرية مدماة متناهية الصغر / مزارع مهجورة تسكنها الغربان / المآتم الممتدة / الصور ممحوة الملامح / رجال منطوون يشربون بقايا أرواحهم / صب زيت الروح التي يجللها العذاب…” ويمكن العثور في جميع سطور القصص على شواهد نصية كثر جسدت التوغل داخل أحراش إنسانية معذبة.
واستدرك: أما التجربة الموضوعية المنتجة في القصص والتي شكلت الرؤية القصصية فهي تجربة الحرب المرة، والتي جاءت في عبارة صريحة بمواطن قصصية: “ماذا فعلت الحرب بنا؟!”، وفي عنوان مباشر لقصة “أطفال الحرب”. وهذه التجربة أيضًا مؤسسة الحبكات القصصية المنوعة بين الواقع والخيال المجنح أحيانًا، وتدور معظمها حول فكرة الإبدال أو تحقيق “لحظة الاشتعال القصصية” ما بعدها لم يكن أبدًا مثل ما قبلها، أنموذجا القصة العمدة “دمى وحرائق”، حيث “الغياب جمر في القلب … وغصة في الصدر” بعد تغييب البراءة باختطاف مواطن وأسرته لأنهم من دعاة التغيير: “تذكرني بكل ما هو بريء”، “لماذا اختطفوها وهي من دعاة البراءة والفرح؟”.
وختم: كما حدث التحول في طبائع سكان القصص حيث تسكن أقفاصها، فتسمرت أطرافها، ولم تعد تدرك الحرية، وتألف جدران السجون حتى تعشقها، وتلفت لديها ذاكرة الإنسان المكرم، معنى جسدته قصة “قفص” في زقاق منسي لمدينة جريحة بتعبير القصة: “مات وحيدًا منسيًا ونسى طيوره في الأقفاص التي لم تفكر بالتحرر متجاهلة باب القفص المفتوح على سعته”.



