أكراد سوريا.. مطرقة أردوغان وغاياته الخفية

للتذكير، كان الأكراد، قبل استقلال الدول الأربع التي يعيشون فيها الآن، مواطني الدولة العثمانية التي هُزمت في الحرب العالمية الأولى، وأقام أتاتورك على أنقاضها الجمهورية التركية الحديثة عام 1923، بحدودها الحالية بعد ضمّ لواء إسكندرون إليها عام 1938. وبقي معظم الأكراد داخل حدود هذه الجمهورية، التي يعيش فيها الآن نحو 15 مليون كردي، في مقابل 6 ملايين في العراق، و8 ملايين في إيران، و3 ملايين في سوريا.
ومن دون أن تكون هذه الأرقام كافية بالنسبة إلى الدولتين الاستعماريتين، وهما فرنسا وبريطانيا، كي تسعيا لإقامة دولة كردية في المنطقة، فوقّعتا على اتفاقية لوزان مع أتاتورك عام 1923، وتركتا القسم الأكبر من المناطق الكردية لتركيا.
كما تركتا ما تبقّى من المناطق الكردية لسوريا والعراق، اللذين كانا تحت الاحتلالين الفرنسي والبريطاني حتى عامي 1946 و1958، لتبقى كردستان الشرقية ضمن خريطة إيران، باتفاق أميركي – بريطاني – روسي.
يضاف إلى ذلك أن فرنسا وبريطانيا، اللتين تقاسمتا المنطقة في اتفاقية سايكس بيكو، رجّحتا اليهود على الأكراد، عندما منحتا فلسطين لليهود في وعد بلفور (1917)، بينما تخلّتا عن اتفاقية سيفر (1920)، التي كانت تهدف إلى إقامة دولة كردية في المنطقة.
وكان الترجيح هذا ذكياً، إذ خططت فرنسا وبريطانيا مستقبل دول المنطقة الأربع، وهي سوريا والعراق وإيران وتركيا، بشعوبها العربية والفارسية والتركية والكردية، من أجل أن تتصارع فيما بينها قومياً عشرات الأعوام، إن لم نقل مئات الأعوام، حتى يتسنى للدول الاستعمارية أن تفي بوعدها لليهود بشأن إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين، وهو ما تحقّق لليهود عبر دعم أميركي لهم إبّان الحرب العالمية الثانية وبعدها. ففي الوقت الذي “نجح” اليهود في إقامة “دولتهم” الدينية بدعم الدول الاستعمارية، كانت دول المنطقة وشعوبها تتقاتل فيما بينها، كما كان الأكراد يتقاتلون فيما بينهم في الماضي، والآن.
ففي تركيا، وهي البلد الأهم كردياً، نجحت السلطات الحاكمة، حتى في عهد السلطان العثماني عبد الحميد، في استخدام الكرد ضد الأرمن، ولاحقاً ضد الكرد أنفسهم. وخلال الأعوام الأربعين الأخيرة، أي منذ انطلاقة حزب العمال الكردستاني، وظّفت أنقرة مئات الآلاف من الكرد للقتال إلى جانب الدولة ضد مسلّحي حزب العمال الكردستاني، الذي دخل في صراعات دموية مع فصائل كردية يسارية بهدف السيطرة على الشارع الكردي. وهذه هي حال العراق، حيث اقتتل الفصيلان الكرديان الرئيسان، وهما الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود البارزاني، والاتحاد الوطني الكردستاني، بزعامة الرئيس الراحل جلال الطالباني، المعروف عنه عقلانيته وواقعيته في نظرته ومعالجته للمشكلة الكردية، عراقياً وإقليمياً.
فأصبح الشرق السوري من جديد حديث الساعة، بالنسبة إلى مجمل السيناريوهات الخاصة باحتمالات المصالحة السورية بين دمشق وأنقرة، التي يعرف الجميع مدى اهتمامها بالمنطقة، منذ ما يسمى “الربيع العربي“.
ويعرف الجميع أن دمشق، عاجلاً أو آجلاً، ومهما كلّفها ذلك، لن تترك الوضع هناك على ما هو عليه الآن، ليس فقط بسبب النفط والغاز والزراعة والمياه، بل أيضاً لأسباب نفسية، لأن سوريا لم تقاتل كُردها في الماضي، خلافاً للوضع في العراق وتركيا مثلاً. كما أنها البلد الذي تحمّل كثيراً من أجل كُرد العراق وتركيا، ولجأ كثيرون منهم إلى سوريا خلال الأعوام الـ 100 الماضية، وأهمهم من دون شك المرحوم جلال الطالباني وعبد الله أوجلان وآخرون.
لا يعني كل ذلك أن دمشق، التي لا تفكر في أيّ عمل عسكري مشترك مع أنقرة ضد كُردها، حتى لو كان ذلك في مقابل إدلب، سوف تنتظر إلى الأبد حتى ينسحب الأميركيون من المنطقة وتصفّي حساباتها مع الكرد. وحينها، سيكون لكل حادث حديث، ما دام الكرد لم يستخلصوا الدروس والعِبَر من تجاربهم، ليس فقط مع أميركا والغرب، بل أيضاً مع الرئيس إردوغان وأمثاله، الذين كانوا وما زالوا يرون في الكرد ورقة يساومون بها، ليس فقط في الخارج، بل أيضاً في الداخل، ما دام إردوغان والآخرون في حاجة إلى مقولات قومية عنصرية تحرّك شعوبهم وتستفزّهم ضد الأعداء في الداخل والخارج.
ويفسّر كل ذلك سياسات تركيا ودول المنطقة الفاشلة ضد الكُرد، الذين يكونون أحياناً هم السبب فيما يصيبهم، لأنهم راضون أن يبقوا هكذا، تارةً مع هذا، وتارةً أخرى مع ذاك، وهم يعرفون أن الجميع كان وما زال يرى فيهم الوسيلة التي تبرّر غاياته الدموية، ما دام الكرد لم يتعلّموا من التاريخ أبداً.



