الإختزالُ الناجز في ديوان “عمرٌ يتسابق نزيفاً”

غسان حسن محمد..
منذُ لحظةِ الإنوجادِ الأولى، وسيرةِ الشعرِ تتوهجُ من على فمِ إبن آدمَ محاوراً الطبيعةَ وتصيَّراتها البيئية، والجيولوجية، وبواعثها ،المادية والمعنوية ذات الآثارِ القارَّةِ في الذات الإنسانية. الشعرُ مادةُ الفِكر، وسيلةٌ وغايةٌ تبتكرُ المقاصدَ وتُبدِعُ تفسيراتها وتأويلاتها بمواراتِ نفسٍ، انطوت فضاءات العالم في كُنهِ إنسانها العاقل. الشِعرُ فنُّ الجمال المتعاشق مع السرديات الكبرى وتمثلاتها في الانسان وعوالمه، فناً ومحتوى ذي خِطابٍ لغوي يسبرُ أغوارَ المعارفِ وتجليات الكلمة ذات النسق الشمولي في عوالم الفكر والابداع.
الإختزال اللَّغوي من العناصر الرئيسة في المدونة الشعرية قديماً وحديثاً، فالإيجازُ سمةٌ مهمةٌ تؤدي الى بيانِ المقاصدَ وتكثيفِ دلالاتِها، بمفردات قليلة، واصفة بدقة موضوعة النص، ومحددة لهويته، تنقل القارئ من مهاد التفسير الى أفق التأويل الرحب بلا ترهلات تركيبية تطبعُ الاذهان بالسأم والملل.
يذكر “جعفر بن يحيى” (إن أستطعتم أنْ تكونَ كتبكم كالتوقيعات فافعلوا)، لما للاختصار في العبارات وتقييد الجمل بما هو نافع ومثمر ومثير للتأويلات في أذهان المتلقين من جدوى معرفية وجمالية ووظائفية ناجزة.
لقد عنيت “قصيدة النثر” بعنصر الايجاز عناية كبيرة على غير ما كانت عليه أشكال الشعر الاخرى (القصيدة الكلاسية التراثية ذات الشطرين، والقصيدة الحرة – التفعيلة-) لأسبابٍ موضوعية وفنية ومرجعية لايسعنا المجال لذكرها ها هنا.
ذكر باسل زيدان في معجم المعاني الجامع:( خزلَ الشيءُ خزلَ خزلاً: قطعهُ، ومختزل: مختصر، وكتابةٌ مختزلةٌ: أي كتابة أستُعملت فيها الرموز بدلاً من الكلمات).
ولأنَّ العنوانَ من العتبات النصية الموازية والمحيطة بالنص، وهو أبرزُ ما يمثلُ الإيجازَ والاختصار وماهيتهما في بناءات النص.، فقد جاء سمة للمجموعة “عمرٌ يتسابقُ نزيفاً” للشاعر مهند عبد الجبار، الصادرة عن اتحاد أدباء وكتاب ميسان بـ 108صفحة من القطع المتوسط،2022م، دالاً على مقصديات ظاهرة وخفية شكلت المفتاحَ الأول والإطارَ الرئيس للتعرَّف الى نصوص المجموعة، بما انطوى عليه من بعدٍ انطالوجي، ثيمتهُ الإنسانُ ورحلتهُ في حياة لم تكُ ساكنة رتيبة، بل إنَّ تصيراتها كانت تحمل صفة ديناميكة، كالدوامة التي تُديمُ الحركةَ والإنشغالَ بأفعال ومصائر الكائن، فأسبغَ الشاعرُ صفةَ السباقِ على رحلةِ نزيفٍ يمارسُ لفظَ حيواتهِ حتى الرمق الأخير من الحياة. حقق العنوان وظائفيته في تحديد هوية النص والوصف والإيحاء والإثارة – الإغراء، بوصفة البؤرة الدلالية الرئيسة في لفت انتباه القارئ الى مقصديات الكتابة.
يذكر جيرار جينيت ” (أن العنوان مجموعة من العلامات اللسانية(…) التي يمكن ان توضع على رأس النص لتحدد، وتدل على محتواه لإغراء الجمهور المقصود بقراءته).
قبل أن تلفظ النصوص محمولاتها يباغتنا الشاعر مهند عبد الجبار بهذا المُدخل:
( مدخل: الى من أقصدهُ/ الحصادُ لن يقتربَ/ سيبقى قلبي مثلَ فزاعةٍ..في حقول المعرفة/ يُربكُ سيرةَ الصَّمت).
يتضَّحُ من خلال الكلمات الموجزة مقدرة الشاعر على ايصال بيانه بأقصر الطرق وأيسرها صياغة، بنسق شامل، حملَ خطابهُ مقصدية مراوغة تعريفياً، واضحة الدلالات وأن غابت صفة المخاطب تعييناً، فالشاعر ينفي عن نفسه الخواء المعرفي ونضوب الابداع بل انه يتماهى مع الطبيعة وقسوتها، متماثلاً مع فعل الفزَّاعة، مبدلاً حقول الزرع بحقول المعرفة الخالدة على مرِّ التواريخ والأعوام. فكلمات الشاعر لاتستكين الى دعة وصمت إنَّها من الرياح المحركة لمياه حياة، يأبى الشاعر ان يصيبها الركود.
اعتمدَّ الشاعر “مهند عبد الجبار” في هذه المجموعة تقنية الايجاز، والاختصار، والتكثيف الدلالي، والمجانية، والتمسك بالوحدة الموضوعية، والعضوية في بناء نصوصه التي كانت تثير الاسئلة، وتنقل المتلقي من التفسير الى التأويل، وعدَّهُ مشاركاً فاعلاً ومنفعلاً مع تبديات النصوص ومآلاتها.
* (الجرأة تنازعُ الموتَ/ لو كان لي قلبٌ..لرتقتُ ثقوبَ الناي/ وحفظتُ سكونه) الثقوب، ص18.
*( هذه النافذة/ المطلة على الروح/ أحرسها بماء العين/ كي لاتلتهمها الدروبُ والمسافات) الترقبُ ، ص46.
* ( وحيدةً وسط الجمال/ ومن قلبي الشاهق/ أترقبُ جنونَ الشمس/ لأُحصي أخطاء النهار/ فالأحكامُ للضرورةِ القصوى) التأمل، ص48.
* (نحاولُ التشبث بحافةِ الفجر/ فالارضُ خائنة/ والمصائرُ تتشابكُ/ في حياةٍ هي كذبةُ أبديّة) المصائر، ص50.
* (أيها الشعراءُ المولعون بجمرِ الكلماتِ وكشف السرِّ/ أطمئنكم أن فمي الغارب/ مايزالُ موقداً مستعراً/ وحروفي حطبٌ للقصائد/ اما الصمتُ المهيب الذي اغرق الازقة والمسالك فمنه يطفح المعنى/ ليوثق المشهدَ الرمادي) رماد الحروف، ص67.
* ( الشجرة/ كيف تلملم الفرح المتطاير..كأوراقِ الخريف؟ حزينةٌ على الليل المصاب بعمى الالوان/ لم تثمرْ لأنَّ الحبَّ تخاذلٌ، بينما العلاقةُ كانت فاتنة) المواساة، ص76.
* ( غيومهُ تواصلُ النزفَ.. بينما هو مختبئٌ بينَ الفصول/ قد بُحَّ صوتُكَ أيُّها الرّعدُ /الاَّ من مجيبٍ؟! الاستغاثة، ص85.
* ( لانحتاجُ الى قبعاتٍ..في بلدٍ ملبَّدٍ/ سنكتفي بالنظارات الطبية/ لتصحيح نمط النظرة) النمط، ص93.
* ( متى كان الهواءُ على الحياد؟ فالسلمُ كذبةٌ خالدة..والناي مصابٌ بالحرقةِ، لهذا يجاملنا بأنينهِ) الحرقة، ص 101.
الشاعرُ مهند عبد الجبار في هذه المجموعة، إنهمَّ بالإنسان ومحيطه ومايعتري النفس من هموم وجودية، وطقسيات وجدية، وموارات نفسية في حياة تسابق العمر أزمات ومآس شخصية وعامة، صانعاً للحيوات عصياً على المحو تاركاً اثره الشعري والمعرفي والجمالي والفني في القلب من مدونة الحياة.



