فزع إسرائيل من الاتفاق النووي .. كلمة السر

تسيطر على المشهد الإسرائيلي في الآونة الأخيرة، حالٌ من القلق والهواجس الشديدة، ورغبةٌ إسرائيلية في إخفاق الجهود المتقدمة، إزاء الحديث عن قرب التوصّل إلى العودة للاتفاق النووي الإيراني.
تبرز رغبة “إسرائيل” في إخفاق الاتفاق من خلال مطالباتها الأطراف الدولية والولايات المتحدة الأمريكية صراحةً، بضرورة التخلّي عن المحادثات النووية الجارية مع إيران في فيينا، وإطلاقها جملةً من التهديدات بأنها لن تكون ملزمة بأيٍّ من بنوده في حال تم إعلانه رسمياً.
ما حقيقة الموقف الإسرائيلي من التوصّل إلى إعادة إحياء الاتفاق النووي الإيراني وإعلانه بصيغته النهائية؟ وهل “إسرائيل” قادرة فعلاً على إفشاله؟ وما سرّ الانزعاج الإسرائيلي منه والتحريض الكبير عليه؟ وما الموقف الأمريكي والدولي من الرغبة الإسرائيلية في استخدام الخيار العسكري، بديلاً من الدبلوماسي؟ وهل أزمة الاتفاق النووي إيرانية خليجية بالفعل، كما تدّعي “إسرائيل”، أو أنها عكس ذلك تماماً؟.
ترى “إسرائيل” أنَّ المسودة الأخيرة للاتفاق النووي، تعد تنازلاً من واشنطن عن خطوط حُمر كانت قد وضعتها سابقاً، إلا أنَّ الإدارة الأمريكية، ومعها الأطراف الدولية الماضية نحو اتفاق مع طهران، لم تعطِ الهواجس الإسرائيلية أيَّ اهتمام، وظلت متمسكة بمواقفها وقناعاتها، بأن الطريقة الدبلوماسية هي الوسيلة الأكثر فاعلية لتحقيق العودة إلى الاتفاق النووي، وهو ما عبّر عنه المتحدث باسم الخارجية الأمريكية صراحةً.
أكثر ما يزعج “إسرائيل” أنها ليست طرفاً مباشراً في معادلة الاتفاق النووي الإيراني، ولن تستطيع فعل شيء لإفشاله، في ظلّ القناعات الأمريكية والدولية بضرورة عودة إحياء الاتفاق النووي مع إيران بالطرق الدبلوماسية، بعيداً من رغبة “إسرائيل” التي تريد حلاً عسكرياً فقط، وهي التي تتناسى أنها تمتلك أسلحة نووية وتتفاخر بذلك، ولم توقع على معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.
في الوجهة المقابلة، ترغب إيران التي تعدّ طرفاً رئيساً في هذا الاتفاق، والتي أعلنت تمسكها بدخوله مرحلة جديدة من المفاوضات في فيينا، في وجود اتفاق شامل تُجاه كلّ القضايا، يضمن لها عدم تنصّل أية إدارة أمريكية مقبلة من هذا الاتفاق، ويحقّق لها مرادها، ويحافظ على برنامجها النووي، ويرفع الحصار الاقتصادي عنها، ناهيك عن سلسلة من الانفراجات الأخرى التي نصَّت عليها بنود الاتفاق، والتي تعدّ كلها نقاط قوة ونجاحاً لها.
من المسلّمات المعروفة، أن العلاقات الأمريكية الإسرائيلية استراتيجية، ولن تستطيع الإدارة الأمريكية إبرام الاتفاق بصيغته النهائية، إلا بعد موافقة إسرائيلية تامة عليه، وبالتالي إنّ أي هجوم إسرائيلي على الاتفاق النووي الإيراني ينضوي في الدرجة الأولى، تحت إطار الاستهلاك الإعلامي الموجّه إلى الرأي العام الإسرائيلي، وخصوصاً أن مثل هذه الانتقادات يأتي في وقت تعيش “إسرائيل”، وبشكل غير مسبوق، صراعات وانقسامات، وهي في الأساس مقبلة على انتخابات خامسة في الأول من تشرين الثاني المقبل.
تضمن الولايات المتحدة الأمريكية، في عودتها إلى الاتفاق النووي مع إيران، تحقيق أهداف عدة، أهمها أنها تريد أن تعطي انطباعاً بأنها عائدة مجدداً إلى منطقة الشرق الأوسط، في ظل المواجهة المستمرة مع روسيا والصين، على الرغم من إخفاق إدارة بايدن في قمة جدة الأخيرة في تسويق مشروع إنشاء ناتو عربي تكون “إسرائيل” جزءاً منه، كما رُوج له آنذاك.
محاولات “إسرائيل” تصدير أزمة الاتفاق النووي على أنها أزمة خليجية إيرانية ما هي إلا ألاعيب ومحاولات إسرائيلية مكشوفة، والشاهد على المنطقة يتيقَّن من أنّها تسير باتجاه حال من تبريد الجبهات، ترافقها خطوات عمليّة تعكس حدوث متغيرات إيجابية تعزز نجاح الدبلوماسية الإيرانية في الدرجة الأولى.
كل ذلك يعد إشارات إيجابية تعكس متغيرات جديدة في المنطقة، ما يعني أنَّها ذاهبة تُجاه تسويات حقيقية لم تمرّ بها منذ سنوات، وهو ما يعكس حال الانتصار الدبلوماسي الإيراني، في وقت تريد “إسرائيل” تأجيج الأوضاع وتجييش تلك الدول كي تخوض حرباً عسكرية بالوكالة على إيران.
العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني وتوفر ضمانات أمريكية للاتفاق سينعكسان إيجاباً على طهران في الدرجة الأولى، التي ستتمكّن إزاءه من ضمان رفع العقوبات الأمريكية عن 17 منظمة إيرانية، واسترداد 275 مليار دولار من أموالها المحتجزة في السنة الأولى من الاتفاق، ناهيك بحصولها على تريليون دولار في خزينتها بحلول عام 2030، وتمكّنها من تصدير 50 مليون برميل من النفط في الأشهر الستة الأولى من الاتفاق.
في الخلاصة، أكثر ما يثير فزع “إسرائيل” من العودة إلى الاتفاق النووي الإيراني، هو نجاح إيران في ضبط صيغة الاتفاق بما يحقق مصالحها في الدرجة الأولى، ليكون اتفاقاً دائماً، وليس موقتاً لبضعة أشهر، والقضية التي تشكّل الفزع الأكبر لـ”إسرائيل” هي قدرة إيران على الاحتفاظ بأجهزة الطرد المركزي بعد إحياء الاتفاق، ما يعني أنها ستكون على عتبة كونها دولة نووية متى شاءت.



