اخر الأخبارثقافية

“جنوب المراثي”.. أرشفة لسنوات الجوع والحصار

 

المراقب العراقي / المحرر الثقافي …

يرى الناقد والقاص أ.د مصطفى لطيف عارف أن قصيدة الشخصية في ديوان “جنوب المراثي” للشاعر مسلم الطعان هي أرشفة لسنوات الجوع والحصار.

وقال عارف في قراءة نقدية خص بها” المراقب العراقي”: إن الحديث عن قصيدة الشخصية عند شاعرنا المبدع ( مسلم الطعان )يعني البحث في مظان كثيرة متداخلة,منها مصادر تلك القصيدة ,وفضاؤها المرجعي,وأساليب بناء تلك القصيدة, ووسائل تشكليها, وكذلك التحولات البنائية التي طرأت عليها, وهي تنتقل بين موجات الحداثة التي ضربت ساحل الشعر العراقي,و لقد أجاد الشاعر (مسلم الطعان)  في موضوع القصيدة الشخصية في ديوانه (جنوب المراثي) , فنراه يقول:

على أبوابكم دقت جراحاتي

بدقات المعاناة

أكف الحزن تسبقها

وروحي سوف تطرقها

بتسكاب لآهاتي !

واضاف :أن ثمة مفارقة ينبغي طرحها في هذا الموضع تقوم على التناقض الجدلي بين قصيدة الشخصية الوقائعية ,وبين ما دعا إليه شعراء الحداثة العرب من إهدار الدم الوقائعي ,وبطلان شعر الحوادث,والوقائع,فجوهر الشعر الحديث ينبع من مقولة بودلير في السير دائما ضد الحداثة أو في ما ردده كثيرا أدونيس في  أن :شعرنا القديم يتكلم عن العالم,وشعرنا الحديث يتكلم العالم ,وإذا ما جعلنا منطلق هذه القراءة النقدية  ظاهريا فسندمج وعينا بقصيدة الشخصية على نحو مغاير للسلفي,والمسبق,والتفسيري,والوقائعي وأن لا نسند لهذه القصيدة دلالة ما ورائية,بل إن يكون نقدنا لها قائما على صياغة تجربة قراءة تتماهى مع مكوناتها,وأنساقها عبر إسقاط كل ما هو قبلي عنها.

وتابع: تمثل الشخصيات الدينية ضربا مهما يمتلك صوتا انتشاريا في قصائد الشخصيات ,وإذا ما أخذنا بنظر العناية أن الدلالات الدينية هي دلالات محافظة,ذات بعد لاهوتي,عرفاني,يبدو التحول الدلالي فيها قائما على فاعلية التماهي مع الشخصية المستحضرة,والامتزاج معها في الأغلب بغية الوصول إلى مقصدية التوظيف المعاصرة,وحين نسقط عن الفني ما هو قبلي تُدغم الدلالة الوضعية مع الدلالة الجديدة عبر التماهي,والانصهار,ليصير الآخر ألـ هو معادلا للأنا ,ومن الأمثلة المهمة في هذا الموضع نص الشاعر( مسلم الطعان) , فنراه يقول :-  تسقط أوراق العفة يا يونس والسيف

ينام ذليلا ويكون قتيلا والجوع بديلا

في زمن جد مخيف

تسقط أوراق العفة يا يونس

كالورق المتساقط حزنا من خنق خريف

تسقط أوراق العفة يا يونس

من أجل رغيف 00!؟

ومما لا شك فيه أن اختيار الشاعر الطعان للنبي يونس عليه السلام في زمن الحصار كان رمزا معبرا عن شخصية الشاعر المعبرة عن الظلم ,والاضطهاد والجوع وعلى الرغم من تكرار الكلمات لكن النص الشعري محتفظ بتماسكه النصي, والطعان  من الشعراء العراقيين,يأتي  محكوما باستعارة دلالة أو علامة الظلم,والاضطهاد,أو اختزان الأذى باختلاف مظاهره ,وأسبابه,ليأتي موشور الفن محتشدا بلون الألم الرغيف  على ما سواه من ألوان الحياة0

وواصل :ويركز النص أيضا على علامة الصبر بوصفه معادلا موضوعيا للألم,واختار الشاعر الرمز الديني النبي يونس عليه السلام ليكون شخصية النص,وفاعله,ولم نجد ثمة تحولا للعلامة المستعارة,أو المغايرة لها بل تماهيا معها ,ويظهر هذا التماهي ممسكا بصور النص ,ودلالالته التي تعبر بجلاء عن دلالة مضاعفة لدلالة الصبر وهي دلالة استعذاب الألم,التي هي واحدة من علامات التصوف,والمكابدة,وتقديس الألم,وهي تضاهي اللب,والفحوى لصبر الانبياء0 , فنراه يقول :

طفح الكيل

وجاع الليل

وصار القتل رفيقا للبؤساء

أتفيق ؟!

يا يونس كي تسأل ربك

عن حوت يبلعنا دون عناء

فلماذا يسرق منا خبز الله ونبقى فقراء ؟!

وواصل :وجدنا في شخصيات شاعرنا ( مسلم الطعان ) المستدعاة اختزالا للبعدين الفني,والمرجعي ,بوصف الأخير يمثل الطاقة المرجعية الدائبة للتكوين الشعري الحديث الذي يمتد أبدا في قصائده,فضلا عن قدرة هذا الأنموذج على تأشير مسارات التشكيل الشعري,وأشكال الحضور في هذا الضرب من القصائد الشخصية التراثية بعامة,ونمتثل في الأنموذج الذي سنقف عنده إلى فاعلية رصده ,وأشكال توظيفه بما لا يخرجنا عن كثافة التوصيف النقدي المطلوب ,فليست العبرة في الإكثار من النماذج سوى التدليل المتكرر,بعد أن يتم فحص الأنموذج ,والتوقف عند أعرافه الجمالية,مع الاستشعار بطاقة التموج,وحالات التعدد التي تبثها تجليات النص المتغلغل البنائي,والأسلوبي.

وأوضح :أن قراءتنا تؤشر للقصائد عند الشاعر (مسلم الطعان)  موجتين أسلوبيتين في القصائد الشخصية الشعرية,الأولى هي الموجة الجزئية التي يتم بموجبها استحضار علامة جزئية من علامات الشخصية التراثية المستحضرة,كأن تكون بيتا شعريا,أو صورة شعرية,أو أيقونة دالة,وهذا ما يدخل في مجال  عملنا ,فهو اقرب شكل من أشكال التناص أو التعالق النصي المحدودة, والاقتباس في النقد العربي,نوع من المحسنات اللفظية,الهدف منه إضفاء نوع من القداسة على النصوص المقتبسة,وإظهار براعة الشاعر,ومقدرته,وقد عرفه شهاب الدين الحلبي بقوله:هو أن يضمن الكلام شيئا من القرآن,أو الحديث,ولا ينبه عليه للعلم به ,وكانت البدايات الأولى للاقتباس صادرة عن عفوية,وبساطة,وبعيدة عن التكلف,والصنعة.

وختم :أن قصائد الشاعر الطعان ما هي إلا نصوص معمقة في أفعال الدلالة,ووصف دقيق فوق مساحة المخيلة,يحمل تمظهرات عوالم النص لدى الشاعر نحو ذاكرة جمعية محتشدة بطاقات متعددة في رسم قسوة الألم ,والحنين,فوق لوحة تفجيرات خطابية,وصورية ذات علاقات متواشجة,وخلفيات متون المعالجات الشعرية,وآفاق إنتاج الوعي بالأشياء,وعوالم إيحاءات التضمين للقصيدة.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى