سوريا وتركيا.. حاكمية الجغرافيا والتأريخ

أثارت إشارات المسؤولين الأتراك المتتابعة عن بدء الانفتاح على سوريا لغطاً كبيراً لدى السوريين، سواء في الجانب المعارض أو المؤيد. وقد امتد الأمر إلى السوريين كافة، على الرغم من التباينات الكبيرة بينهم، لإدراك الجميع أن عودة الحياة الطبيعية إلى بلدهم المنكوب تتوقّف على نوعية العلاقة بين دمشق وأنقرة، فهل الطريق معبّدة للانتقال إلى مرحلة مختلفة بين العاصمتين؟
لا شك في أن الحرب في سوريا وعليها أحدثت ارتدادات واسعة وعميقة ومتنوعة، ليس على سوريا فحسب، إنما تجاوزتها إلى معظم الدول المنخرطة في هذه الحرب، تبعاً لرهانات كل طرف تدخل فيها، فتحولت الساحة السورية إلى اختبار جدي لكل قوة إقليمية ودولية ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها من هذه الحرب.
وعلى الرغم من ترابط الملفات مع بعضها بعضاً، بدءاً من أفغانستان، مروراً بالعراق وسوريا ولبنان وفلسطين واليمن، فإن أكثر البلدان تأثراً من الناحية السلبية هما سوريا وتركيا، اللتان تربطهما الحدود الأطول بينهما، والتي تتجاوز 900 كم.
هذا التأثير الكبير ناجم عن طبيعة الرهانات التركية التي اعتمدت متطلبات الدول الغربية حول رؤيتها المستقبلية لمنطقة البحر الأبيض المتوسط بعد مؤتمري لشبونة 2009 وستراسبورغ 2010، اللذين منحا تركيا مهمة الإشراف على بلاد الشام من دون حسابات دقيقة، نظراً إلى طبيعة موقف كل من إيران وروسيا والصين، والذي أجهض الدور التركي، ومنع إسقاط سوريا وتحويلها إلى الاصطفاف الجيوسياسي، مع استمرار مشروع النظام العالمي الوحيد القطب.
وعلى الرغم من النتائج الكارثية للحرب على سوريا، سواء كان بحجم الدمار الهائل، والانزياح السكاني داخلياً وخارجياً، واضمحلال الدور الإقليمي، فإن تركيا تُعتبر الخاسر الثاني الأكبر بعدها، على الرغم من قفزاتها الكبيرة نحو الشمال السوري والعراقي، إضافة إلى ليبيا ومنطقة القوقاز، فإن ذلك لم ينعكس على الداخل التركي إيجابياً، فقد ازدادت حدة الانقسامات السياسية الداخلية، مع التراجع الاقتصادي الكبير، واستمرار الغرب في رفض انتمائها إليه، رغم كل الأدوار المهمة والخطرة الموكلة إليها.
العامل الثاني هو انعكاس تغيّر المزاج على نظرة الأتراك إلى المهاجرين واللاجئين السوريين داخل تركيا، واعتبارهم أحد أسباب مشاكل تركيا، فأصبحوا مادةً للصراع السياسي بين فريق الأحزاب المعارضة الستة التي ارتفعت حظوظها للفوز بالانتخابات الرئاسية القادمة وبين الرئيس أردوغان، وخصوصاً أنَّ الخطاب العام لرأس هذه المعارضة، ممثلة بحزب الشعب الجمهوري، طرح التوجّه نحو المصالحة مع سوريا وإعادة السوريين إليها في حال فوزها بالانتخابات الرئاسية القادمة، ما ساهم في تقليص شعبية الرئيس إردوغان.
العامل الثالث يرتبط بالموقفين الإيراني والروسي اللذين يضغطان للتصالح بين البلدين، والذهاب نحو إعادة بناء نظام إقليمي جديد، يُحفظ فيه لتركيا دورها الإقليمي المنضبط بمعايير النظام الدولي الجديد تحت المظلة الأوراسية.
وقد تكون الفضاءات السورية العراقية التركية الإيرانية الحالية هي الأكثر تعبيراً عن حجم التفاعل بينها كشعوب ودول، إن كان سلباً أم إيجاباً، وهذا ما أبرزته الحرب في سوريا التي أكدت حقيقة تاريخية لا يمكن تجاوزها، بفعل التركيب المعقد والشديد التنوع لشعوبها، والتي لا يمكن عزل الارتدادات فيما بينها، مهما كانت نوعيتها.
ولا خيار لهذه الدول إلا إعادة النظر في العلاقة فيما بينها، وخصوصاً سوريا وتركيا الخاضعتين لحاكمية الجغرافيا والتاريخ المشتركين بينهما، قبل أن تظهر تركيا وسوريا كمصطلحين لدولتين حديثتين لم يتجاوز عمرهما 100 عام، فليس هناك استقرار في سوريا دون تركيا، وليس هناك دور إقليمي لتركيا دون سوريا، التي تُعتبر بوابتها نحو الخليج وشمال أفريقيا.
لا شك في أنَّ المصالحة بين البلدين قادمة، ولا مجال لهما إلا اللقاء من جديد وفق شروط مختلفة، وضمن بيئة إقليمية ودولية جديدة مغايرة لمرحلة هيمنة الغرب؛ المسؤول عن تحطيم المنطقة بكيانات غير قابلة للحياة كدول حقيقية، ولكنَّ هذه المسألة محكومة بمجموعة من الأسئلة التي لم تتضح إجاباتها بعد، والتي تحتاج إلى الطرح والحوار بين كل الأطراف، ويمكننا إثارتها في المقال القادم.



