محاكاة على ضفاف شعرة معاوية

بقلم: منهل عبد الأمير المرشدي..
في المجمل العام والرؤيا الشاملة والوصف الأدق ما فوق الحياد والأقرب للعدل في ثنايا الإنصاف، إن العملية السياسية في العراق تحتضر، وتعاني من أزمة حادة بين كبار أقطابها ومكوناتها وأركانها. الأزمة السياسية “شيعية – شيعية” وهي الأكبر والأخطر والأكثر حضوراً وتأثيراً في ما يشهده العراق، فالشيعة هم عمود بيت العراق وسقفه ووجوده، شاء مَنْ شاء وأبى مَنْ أبى .. من الأمثال الدارجة عبارة “شعرة معاوية” ويُقصد منها الموقف غير الثابت والذي يتبدل بين اللين والشدة، بناءً على موقف الطرف الآخر، من أجل إبقاء الوضع في المنتصف. ومنشأ هذا المثل هو ما يُنسَب لمعاوية بن أبي سفيان، أنه حينما سُئل عن دواهي مكره، في كيفية حكم الشام أربعين سنة، برغم الأحداث السياسية المضطربة، قال: (لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، لأنهم إن مدّوها شدّدتها وإن شدّوا مددتها) نحن اليوم بأمس الحاجة للتعامل مع تلك الشعرة. قد يقول قائل لكن التعامل مع تلك الشعرة، لا تعني ان تنصر الحق على الباطل مع اعترافنا في صعوبة الموقف، فثمة قول لأحد الحكماء يقول (ليس كل الحروب أو الخلافات بين حق وباطل فحسب، إنما هي حرب واختلاف بين إرادتين كل منهما يرى نفسه حقا). هذا يعني إن كل ذي عقل سليم وقلب سليم وبصيرة سليمة، يدرك أين يركن الحق وأين يركن الباطل. كما إن ذلك لا ينسينا حقيقة، إن مسألة الحياد في أمر الحق والباطل غير واردة شرعاً، وحين يكون الإنسان محايداً بين الحق وبين الباطل، فأنه يُصنّف في دين الله وشرعه في قائمة أهل الباطل، ولذلك يقول الله جل وعلا: (فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُون). ولكننا نتحدث اليوم في عالم السياسة وفن الممكن، بما يعني من مغانم ومناصب ومصالح، وكل المختلفين سياسيون بامتياز ولا نراهم ملزمين بثوابت الشرع والفقه في تحركاتهم وأقوالهم ومناصبهم وأهوائهم. لنقبل ابتداءً بحقيقة الخلاف السياسي الموجود بين الشيعة والشيعة، والذي تجاوز حدود الاختلاف وأمسى خلافاً واضحاً في الرؤيا والتعامل والمنهج. عودة لما ذكرنا فان كل طرف في الخلاف يرى نفسه حقاً ويرى الطرف الآخر في جانب الباطل. لنقبل بذلك وهذا يضعنا في خانة العقل واللا عقل.. والحق واللاحق والصحيح والخطأ. وإذا ما عدنا الى شعرة معاوية التي لا تقطع بين عاقل ومجنون، فكلما شدّها المجنون ارخاها ومدّها العاقل، وكل ما أرخاها المجنون شدّها العاقل. المهم ان تبقى ولا تنقطع. فعلى العقلاء فينا وعلى المجانين فينا، أن يتيقنوا إن ما بعد انقطاع تلك الشعرة لا سمح الله، هو الحريق والدّم والخراب وشماتة وضياع وندم ولات حين مناص. على العاقل منهم والمجنون فيهم ان يدرك ان حقيقة ما بينهم اختلافاً ليس إلا، لا ينبغي ان يصرَّ أي طرف فيهم ليجعله اختلافاً وصولا الى خط اللا رجعة. على العقلاء والمجانين وكل من يرى فيهم نفسه حقا أن يتذّكروا ان نقاط الاتفاق بينهم أكثر وأكبر وأعمق من نقاط الخلاف أو الاختلاف. بينهم علي بن ابي طالب إماماً وولياً لله وميزاناً للحق. وبينهم الحسين “عليه السلام” رمزاً ومناراً وملاذاً لدموع أحباب آل البيت. بينهم العراق وهل هناك أكبر وأغلى وأقدس من العراق؟. ليتذكروا العراق وليخافوا على العراق الذي احتوى كل المجانين، كما يحتوي كل العقلاء. أخيراً وليس آخراً نقول، ان الخوف والرعب تسللا الى نفوس الأطفال، فارفأوا بشعبكم واطمأنوا إن الناس صارت ترضى بالنزر اليسير وتؤمن بالمثل القائل (الي يشوف الموت يرضى بالصخونة) والسلام …



