فضاء اللعبة الشعرية عند محمود درويش

عبداللطيف الوراري..
تنهض العمارة النصية في أي عمل للشاعر محمود درويش على خواص تعبيرية وجمالية مبتكرة، من خلالها تنتظم الذات في خطابها، وتمارس لعبتها الشعرية التي تقرن الموت بالحياة في مختلف سياقاتهما معجماً وصورة، والتي تدمجهما في فضائها ليس كوجهين متناقضين، بل كموضوعين حيَّين؛ حيث يفلسفهما الشاعر ويؤنسنهما، ويحاورهما شعريًّا في صيرورتهما إلى حدّ التوحد والاندماج، بسبب تداخل الأبعاد النفسية والجسدية والفلسفية والروحية والشعرية والثقافية والـمادية التي يطرحهما معا في جدل وتماهٍ، على نحو يحول فكرتي الموت والحياة إلى «فكرة شعرية خاضعة لمنطق الدوالّ ومنطق الخيال، وإلى معادلة أَسْطَرَةِ الشاعر وذاته الشعرية، والارتفاع بهما خارج البعد الإنساني القابل للموت والحياة بالمعنى المادي التقليدي» على نحو يتسامى فيه الشعر والشاعر، فلا يعني موتُ الشاعر موتَه، وإنما يعني “طيرانَه حتى الأزل”.
وبهذا التصور، يرى الباحث أن أعمال محمود درويش؛ من «عصافير بلا أجنحة» إلى «أثر الفراشة» عبارة عن «رواية لقصيدة الموت والحياة» بكل ما تشي به من أحلام مُنشدَّة إلى اللانهائي، وترقى به من خلال جماليات اللغة وسحر الإنشاد إلى إيقاعات غنائيـة تجمع أصل الشعر العربي بحداثته، وتضيف إليه ألوانًا وأساليب تتحايل على الموت (= الجرح، الدمار، الحرب، الجوع، المرض، الكراهية، العنصرية، الفقر، الاستبداد، إلخ)، ودرامية الأحداث، والغربة، لتحولها من وقائع وظواهر إلى رموز أساسية من رموز الحياة (= الحب، السِّلم، الثراء، الأخوّة، الحرية، العدالة، الجمال، الاختلاف، الخصب، إلخ).
وهذا الانهمام بفكرتي الموت والحياة يتصل بالجوهر الشعري عند محمود درويش، ويأخذ مديات أرحب تكشف فاعليتهما في الذات والعالم، من خلال طريقتين فنيتين، هما: التوازن الصوتي والتساوق الدلالي بوصفهما بنيتين متجادلتين في الجسد النصي؛ حيث يغدو الشعر مكنـز الوجود ولغة ممكناته واحتمالاته، وحيث الوجود نفسه يمارس لعبة الحياة (= الحب) ولعبة الموت (=الكُرْه) على وِفق جدلية الملء والإفراغ، الإثبات والنفي، تبعا لوقع الأحداث على الشاعر ومعايشته لها في الزمان والمكان، وما ترخيه من تحولات مفجعة أو سارّة في العالم على ذاته.
ويرى الباحث، أن أغلب المعاني التي يطرحها معجم الحياة والموت عند الشاعر، تتحرك على وفق استراتيجية فنية مزدوجة:ـ تحويل الموت إلى حياة نابضة بالتوهج والتألق، كما هو في موت الشهيد الذي هو عتبة أساس للدخول إلى الحياة بمعناها الأسمى (الأرض، الحرية، العدالة، الحب، الجمال، الإخاء).



