اراء

أوروبا هذا الشتاء … أزمة البقاء على قيد الحياة وبأي كلفة

 

بقلم / د.عدنان يعقوب..
أعلن روبرت هابيك، نائب المستشار الألماني، في شهر تموز/ يوليو 2022، أن الامن الاجتماعي بألمانيا في خطر لان ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، المستورد من روسيا والذي يشكل حوالي ثلث واردات المانيا (1/3) من الغاز الطبيعي، سيرفع اسعار فواتير الطاقة بشكل كبير، والذي سيسبب ارتفاع كلفة الانتاج وخسائر فادحة للشركات ويؤدي إلى انهيار مالي، بدأت ملامحه تظهر من خلال انهيار سعر صرف اليورو مقابل الدولار.

يحدث كل ذلك بالرغم من قيام البرلمان الألماني باقرار قانون أمن الطاقة، الذي يسمح للحكومة بإنقاذ الشركات التي تضررت من الصدمة. لانه يبدو أن التهديد النهائي بقطع روسي كامل اصبح معقولاً أكثر من أي وقت مضى. حيث لا زالت شركة “غازبروم”، عملاق الغاز الروسي الذي تسيطر عليها الدولة، تضغط على الأوروبيين منذ اشهر، واظهرت الاحصاءات أن روسيا ضخت في حزيران/ يونيو 2022، 4.7 مليارات متر مكعب إلى أوروبا(1)، وهو بالكاد يشكل ثلث (1/3) ما ضخ  اليها في أوائل عام 2021.
حيث يظهر الرسم البياني (1) ان أكبر تدفقات الغاز تأتي عبر (خط السيل الشمالي ـ 1)، الذي يربط روسيا بألمانيا عبر بحر البلطيق.

وما زاد في استفحال الازمة عدم قبول الحكومة الالمانية تشغيل (خط السيل الشمالي ـ 2) وهو خط أنابيب جديد على نفس الطريق، من هنا جاء الضغط الروسي بقوة أكبر حيث تم خفض الصادرات عبر(خط السيل الشمالي ـ 1) في شهر حزيران/ يونيو المنصرم إلى 40٪ ما تسبب بتضرر الشركات الأوروبية الكبيرة مثل إيني (Eni) الإيطالية وOMV النمساوية وUniper الألمانية، ودفع بعضها مثل Uniper الألمانية الى البحث عن تعويض النقص عن طريق شراء غاز باهظ الثمن من السوق الفوري لتسجل خسارة بنحو 30 مليون يورو في اليوم بحساب واحد، وهي الآن من الشركات التي في طور الإنقاذ.

وفي  شهر تموز/ يوليو الجاري أوقفت الحكومة الروسية لمدة عشرة أيام جميع صادرات الغاز عبر (خط السيل الشمالي ـ 1) لغرض الصيانة. والسبب ان التوربينات الحيوية تحتاج الى صيانة دورية، وقد قامت شركة Siemens Energy المصنعة لها ، بارسالها  إلى كندا لإصلاحها، ولاقت هذه الخطوة مماطلة من الحكومة الكندية باصلاحها وإعادتها إلى روسيا. وهذا ما دفع نائب المستشار الألماني على وجه السرعة الطلب من كندا الاستجابة للطلب الروسي !.

بالمقابل يعتقد أوناثان ستيرن من معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، أن الرئيس الروسي فلاديميير بوتين، تمكن من جعل العقوبات ذات نتائج عكسية(2)، سيما بعد أن تراجع الغرب عنها، وسيستأنف بوتين إعادة بعض تدفقات الغاز على (خط السيل الشمالي ـ 1) وستحصل أوروبا على مهلة. لكن ستيرن يخشى اعادة استخدام روسيا لسلاح الغاز مع ازدياد التعنت الاوروبي  في ظل ازدياد برودة الطقس.

هل تتمكن أوروبا من  الخروج من الازمة؟

حاولت المفوضية الأوروبية جاهدة  تنظيم رد من الاتحاد الأوروبي على مثل هذا الكابوس، ومحاولة تجنب هذا النوع من سياسات التسول التي اتبعتها الدول الأعضاء في البداية. حيث صرحت المفوضية على لسان رئيستها أورسولا فون ديرلاين: ” نحتاج إلى التأكد من أنه في حالة حدوث اضطراب كامل، ان يبقى  تدفق الغاز نحو المكان الذي تشتد الحاجة إليه، ومن هنا ضروة الإعلان عن خطة قبل فوات الاوان بحلول 20 تموز/ يوليو 2022” .

في العام الماضي، رفضت العديد من الشركات شراء الغاز بأسعار مرتفعة. وبقيت مستويات الغاز في صهاريج التخزين منخفضة بشكل غير مستقر، ولكن تم إنقاذ أوروبا بسبب الطقس المعتدل. بينما يتوقع في هذا العام، محاولة إقرار خطة من قبل الاتحاد الأوروبي تسمح بمعدل تعبئة في تخزين الغاز بما لا يقل عن 80%  بحلول الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر2022. وتتضمن الخطة التركيز على  محاولة زيادة مستويات تخزين الغاز وتنويع مصادر الطاقة وتشجيع خفض الطلب والتقنين. لكن الخطورة الاكبر تكمن في ضعف قدرة الدول الأعضاء على تخزين الغاز والاحتفاظ بما لا يقل عن 15% من استهلاكها السنوي في منشآت في دول أخرى.

هل يستمر هذا الوضع.. وإلى متى؟

لقد استوعبت أوروبا بالفعل الكثير من الغاز الطبيعي المسال في العالم والذي يمكن إعادة توجيهه بعيدًا عن آسيا، لكن إلى الان لا يوجد ما يكفي لتغطية قطع روسيا الكامل ـ خاصة في ظل تعافي الاقتصاد الصيني. في الوقت نفسه، لا يمكن للغاز الطبيعي المسال الوصول إلى ألمانيا مباشرة لأنه لا يوجد بها مرافق لإعادة تحويله، وهناك صعوبة في اعادة الاستحواذ على سفن إعادة تحويل الغاز إلى غاز عائم ويشكك البعض أصلاً من القدرة على تشغيلها حتى أوائل عام 2023، في ظل ما حدث في الأشهر الثلاثة التي أعقبت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، حيث جاء حوالي 15٪ من الغاز الطبيعي المسال الذي يدخل أوروبا ليحل محل الغاز الروسي عبر الأنابيب من روسيا(5) والتي يقدر أنها كسبت ما يقرب من 400 مليون دولار في كل يوم تأخير من مبيعات الغاز عبر الأنابيب والغاز المجمد إلى أوروبا.
المفوضية الاوروبية و “إطار عمل لإدارة الأزمات

إن سياسة تحرير الطاقة كانت أحد الإنجازات العظيمة للسوق المشتركة للاتحاد الأوروبي فهل تصمد في ظل ما يجري من حديث عن اعادة  الحمائية وتدخل الدولة وتأميم الموارد.

في النهاية يمكن القول انه بامكان اوروبا البقاء على قيد الحياة، لكن السؤال الاساسي هو كيف وبأي تكلف؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى