العنوان النصّي في “شرفات”

أ.د. مصطفى لطيف عارف..
إن العنوان في الحقيقة، مرآة مُصغّرة لكل ذلك النسيج النصّي، واسم فارغ، وهذا يعني أنه علامة ضمن علامات أوسع هي التي تشكل قوام العمل الفني بعدّه نظاماً ونسقاً، يقتضي أن يعالج معالجة منهجية أساسها أن دلالة أية علامة مرتبطة ارتباطاً بنائياً لا تراكمياً بدلالات أخرى، ومن ثم فإنه قد يجسّد المدخل النظري إلى العالم الذي يسميه، ولكنه لا يخلقه إذ إن العلاقة بين الطرفين قد لا تكون مباشرة كما هو الشأن في الآثار الفنية التي يحيل فيها العنوان على النص والنص على العنوان وفي هذا الحال فإن العنوان يتحول من كونه علامة لسانية أو مجموعة علامات لسانية تشير إلى المحتوى العام للنص إلى كونه لعبة فنية وحوارية بين التحدد واللاتحدد، بين المرجعية المحددة وبين الدلالات المتعددة وذلك في حركة دائبة بين نصين متفاعلين في زمن القراءة، وقد جسدت ذلك (اشواق الدعمي) في مجموعتها القصصية (شرفات) إذ يحلل عنوان يقع ضمن ما يُعرف بالسهل الممتنع، إذا ما قرأناه قراءة سطحية عابرة تكتفي بالنظر إليه نظرة جانبية، على أن النظرة المحايثة العميقة ربما تكشف لنا عما دفنته القاصة من إشارات وعلامات دالة.
وانطلاقاً من كل هذا قد يكون بالإمكان تتبع عمل العنوان في النص والشروع في نمذجة تصنيفية للعناوين في المجموعة القصصية وفقا لعلاقاتها بالشرح القصصي بالذات عن طريق الاختزال إلى الحد الأقصى للعناوين في المجموعة القصصية وفقا لعلاقاتها بالشرح القصصي بالذات عن طريق الاختزال إلى الحد الأقصى، فإما أن القصة تعبر عن عنوانها تشبعه، وتفك رموزه وتمحوه، وإما أنها تعيد إدماجه في جمع النص وتبلبل السنن الدعائي عن طريق التشديد على الوظيفة الشعرية الكامنة للعنوان، محولة المعلومة، والعلامة إلى قيمة والخبر إلى إيحاء، يلتصق به العمل القصصي قد يكون صورة كلية تحدد هوية الإبداع وتيمته العامة، وتجمع شذراته في بنية مقولاتية تعتمد الاستعارة أو الترميز، فنراها تقول: حينما انظر إلى وجهها، أحدق في عينيها، اكلّمها بصوت فترد بصمت، أهمس لها بخلجات نفسي، فتصرخ بوجهي، تعاتبني توبخني، صحيح إننا وجهان لعملة واحدة، لكننا على خلاف دائم، أنا وصورتي في المرآة، وهذه الصورة العنوانية، قد تكون فضائية يتقاطع فيها المرجع مع المجاز، وقيامه بدور المركز في الحركة القصصية، وتحديد مصائر من يسكنه جعله يقوم بدور البطولة الفعلية في القصة، ويفرض نفسه على عنوانها ويبلور رؤية المؤلفة لعالمها.
ومن هنا فهو صيغة مطلقة للقصة وكليتها الفنية والمجازية، إنه لا يتم إلا بجمع الصور المشتتة، وتجميعها من جديد في بؤرة لموضوعات عامة تصف العمل الأدبي وصفا أدبيا دقيقا. والعنوان عبارة عن صيغة مطلقة للمجموعة القصصية ,وكليتها الفنية والمجازية, إنه لا يتم إلا بجمع الصور المشتتة وتجميعها من جديد في بؤرة لموضوعات عامة تصف العمل الأدبي، وتسمه بالتواتر, والتكرار والتوارد, إذن، فهو الكلية الدلالية أو الصورة الأساسية أو الصورة المتكاملة التي يستحضرها المتلقي أثناء التلذذ والتفاعل مع جمالية النص القصصي ومسافاته, فالصورة العنوانية قد تندرج ضمن علاقات بلاغية قائمة على المشابهة أو المجاورة أو الرؤيا، فيتجاوز العنوان مجازياً مع دلالات الفضاء النصي للغلاف وتنصهر الصورة العنوانية اللغوية في المجموعة القصصية (شرفات) ولا يعرف المتلقي ماهية الشرفات إذ تضعه القاصة أمام حيز معتم من الفضاء الزماني، ولهذه العتمة دورها الايجابي في عملية الاستقبال، إذ ستغري القارئ بالإسراع إلى قراءة المجموعة القصصية والتأكد من هذا العنوان (شرفات) والكشف عن ماهيته، فهي تحيل على منظومة مرجعية كاملة في ذاكرة المتلقي، أنها تختزن كماً هائلاً من الإشارات، والمرجعيات التي يحيل عليها اسمها.
إن شرفات المعرفة أصبحت نكرة لدى المتلقي لتعدد الأوجه التي تحيل عليها، لقد خلقت شرفات إبهاماً إضافياً لدى المتلقي افرز فضولاً جديداً يدفعه إلى قراءة متن المجموعة القصصية وبسرعة.



