قصص “مدينة الحجر”.. سعي لتكوين عالم شديد الكثافة يتجاوز الواقع

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…
يرى الكاتب والناقد جابر خليفة جابر أن مجموعة “مدينة الحجر” القصصية للروائي والقاص زيد الشهيد هي سعي لتكوين عالم شديد الكثافة يتجاوز الواقع ،مبينا أنَّ استحضار الماضي هو دعوة قوية للانجذاب إليه بديلاً عن الحاضر المحاط بالاحباطات والمراد إزاحته.
وقال جابر في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي “: تقدم ” مدينة الحجر ” كمجموعة قصصية ذات أفقٍ مشترك مجالاً للقراءة يكاد يكون محدداً وموجهاً إلى مستوى أساس ، هو مستوى الوقوع على مكامن المتعة القرائية لا في الانزياح عن المتوقع والمألوف بل فيهما عبر توصيف موضوعات الواقع من خلال دوالٍ وإشارات تختصره وتنتهي إليه بمرجعيتها ” وهو ما يتطلب استخدام أدوات تعبر عن الكل من خلال الجزء وعن الأسباب من خلال تصوير النتائج ” .
وأضاف: واذا كانت اللغة – كما يقول ديريك والكوت – هي مجال الكفاح وليست منطقة للتراجع ، فان القص في ” مدينة الحجر ” يسعى لتكوين عالم شديد الكثافة يتجاوز الواقع المشار إليه بمستوى هو أكثر ارتفاعاً إلى حد يمكن معه رسم ذلك الواقع وتشريح خفاياه ، وصولاً إلى تأطيره وتوجيههه عبر منظومة الخطاب القصصي إلى منطقة الحلم التي تنشدها الجماعة الإنسانية الحاضنة لهذا القص ويتم تشكيل منطقة الحلم باستحضار الماضي عبر استدعائه من الذاكرة .
وتابع: أنَّ استحضار الماضي هو دعوة قوية للانجذاب إليه بديلاً عن الحاضر المحاط بالاحباطات والمراد إزاحته . وهذا هو المرتكز الأساس الذي تقوم عليه قصص المجموعة التسع فالفعل القصصي فيها بمجمله يتحرك وفقاً لهذا المنطلق بعيداً عن المنحى الأيدلوجي المباشر ؛ إذ الخلق الفني ليس فعلاً تحريضياً أو تعبوياً ، ولا يصلح أن يكون موجِّهاً أو موجّهاً ؛ إنما هو فعل مقاومة لضغوط هائلة ذاتية وخارجية مدركة وما ورائية يتعرض لها المبدع باعتباره بؤرة جذب لامّة لكل ما يعتري الجماعة ( الحاضن الجغرافي ) المحيط الطبيعي والكوني من تفاعل ومتغيرات .
وأوضح : وردُّ الفعل المتحقق في ” مدينة الحجر ” هو فعل استحضار الماضي بديلاً عن الحاضر وللتغلب على الحيز الزماني والاستبطانات الداخلية المتكررة لجأ الكاتب إلى تقنية الراوي العليم الذي يحيط الشخصية الرئيسية والأساس في القصص التسع أي الصبي عبر إنطاقه بلغته ، إذ يتحدث الصبي مستخدماً لغة ناضجة وتحليلية تتجاوز مدركاته ووعيه كصبي ، ممّا يشي بأن الراوي هنا هو رجل ناضج وليس صبياً ، وأنَّ ما يقوم به من قص هو استعادة لحياته الماضية .
تتحرك الشخصية المشتركة لجميع القصص _ أي الصبي _ في مسار محدد ( من الآن إلى الزمن الماضي ) ويتم التحرك عبر عدة محاور :
الأول بواسطة لغة القص التي يستخدمها الصبي .
الثاني من التركيب العام للمجموعة . إذ تأخذ قصة ” مدينة الحجر ” موقع القصة الأساس التي تقوم عليها أبنية باقي قصص المجموعة كما هو الواقع حيث الوركاء / مدينة الحجر هي الأساس التاريخي للحاضن الجغرافي الذي أنجزت المجموعة ضمن حدوده وإطاره الثالث وتجسد هذا المحور في الاتجاه إلى الماضي عبر مجرى الأحداث في جميع القصص تقريباً وفي معطيات القراءة الكلية لهذا المنجز القصصي .
وواصل :ففي قصة ” مدينة الحجر ” يتجه الأولاد وبضمنهم الراوي / الصبي إلى آثار الماضي رغم كوابح الحاضر وموانعه متمثلاً بالآباء ومعتقداتهم عن هذه المدينة واستحضار الأولاد لذلك الماضي العميق عبر توقيع أسمائهم على لوحة المنطقة الأثرية لمدينة الوركاء ويبرز دور الحارس كعامل دفع لهذا الكشف مماثلاً لدور الدكتور في قصة ” القرار ” ودور مدير المدرسة في قصة ” نحن والزورق ” . ومن منطق نقدي سيميائي فهو يؤدي دوراً معادلاً لما أدّته الوسائط التي ساعدت الصبي في استكشافاته في القصص التسع كالزورق في قصة ” نحن والزورق ” و” القرار ” والباص في قصة ” بقايا حلم ” وغيرها .



