«صلوات للرمل وللذكرى».. التشكيل الزخرفي للصورة الشعرية

المراقب العراقي/ متابعة…
يعمد الشاعر نور الدين بالطيب في مجموعة«صلوات للرمل… وللذكرى»، إلى تشكيل فسيفسائي للصور الشعرية. وهو وجه آخر من وجوه تشكيل الصورة الشعرية، مختلف عن التشكيل التقليدي القائم على البلاغة من استعارات وتشابيه وكنايات، يستدعي أساليب الزخرفة، متفاعلا مع تقنيات فن التوريق العربي الإسلامي (الأرابيسك) التي تنسج صورا، «أساسها كتابة «لا نموذجية» أو «لا قياسية» قد لا تعدو دلالتها المتعة الخالصة: متعة تجميع الحروف والعناصر النباتية والأشكال الهندسية…» (منصف الوهايبي أرابيسك الشعر/ يونيو/حزيران2019) وهو ما تنسج على منواله الكتابة الشعرية الحديثة «حيث تتصل الوحدات الصغرى (الأبيات) بوحدات مماثلة لها تجاورها أو تعلوها أو تدانيها، أو بصور متقابلة أو متعاكسة؛ وتنتظم كلها في هيأة واحدة محكومة بنظام هندسي صارم، وعقلية رياضية دقيقة». (المرجع نفسه). فنحن في هذا السياق أمام كتابة شعرية تصنع لذّتها وجمالياتها ودلالاتها من هذا النسيج وهذه الزخرفة التي تحمل نظاما داخليا ويضمر صاحبها أفكارا كثيرة. فهي ليست عملا عشوائيا وليست كتابة سيريالية تفتقد الروابط المعنوية والدلالية، ما يمكن اعتباره ملمحا من ملامح الخطاب الشعري المعاصر. ولعل هذا الأسلوب يلفت انتباهنا في «صلوات للرمل وللذكرى» لنور الدين بالطيب، فالشاعر يبدو ميّالا إلى هذا الأسلوب القائم على الزخرفة والتلوين بالكلمات والأسماء، زخرفة تضمر مواقف ودلالات.
فكيف يتجلى هذا التشكيل الزخرفي؟ وأي دلالات يضخها في هذه المجموعة الشعرية؟
إذا كانت الصور الشعرية تقوم عادة على المنجزات البلاغية المعروفة فإنها في هذا النمط من الكتابة تقوم على شيء من التجميع والتنويع أو التلوين بألوان وأشكال مختلفة ـ فتتابع الأسماء والرموز والأفعال والأماكن والأزمنة، منتظمة وفق سياقات دلالية. على هذا النحو تتشكّل الصور الشعرية في هذه المجموعة الشعرية. فيجمع الشاعر أشياء طفولته وذاكرته.
وفي الأسلوب الزخرفي/الفسيفسائي نفسه تتالي الأماكن وتزدحم وتتحوّل القصائد إلى فضاء تجوال سريع، راسمة خرائطها النابعة من وجدان الشاعر. فتتالى مقاهي العاصمة التي يرتادها الشاعر الراحل عبد الحميد خريف:
سيقولون…/كان هنا
في باب البحر/في فلورانس*/في مقهى الكون*…
وتطير الذات الشاعرة من مدينة إلى أخرى ومن فضاء إلى آخر، ففي قصيدة «أصدقاء كتالونيا» يطوف الشّاعر في عدد من الأماكن الحاملة لأصداء مختلفة، مرتحلا من «شوارع برشلونة القديمة إلى المتحف المصري وشارع*Rambla وحديقة كتالونيا* وغيرها من الأماكن. وعلى هذا النحو تحضر الأماكن في قصائد مختلفة، منخرطة في إنشائية تشيد لبناتها الخرائط والأمكنة العميقة التي تأتي القصائد حاملة معها شحنتها الدلالية، جاعلة مجرد ذكرها إيحاء بدلالات كثيرة.



