العدوان الإسرائيلي على مطار دمشق الدولي.. ما التبعات الاقتصادية المرتقبة؟

بقلم/ زياد غصن ..
عندما كان معظم المعابر الحدودية يتساقط تباعاً بيد الفصائل المسلحة لأسباب متباينة بين تدخل إقليمي وتواطؤ دولي، كان مطار دمشق الدولي يحافظ على حركة عمله المعتادة، رغم تهديدات قذائف الهاون التي كان يطلقها المسلحون من أطراف بعض المدن والبلدات القريبة من حرم المطار.
لم يكن مسموحاً آنذاك أن يتوقف المطار عن العمل تحت أي ظرف. لهذا أن إحدى أهم أولويات الوحدات العسكرية الموجودة في المنطقة تمثلت بتوسيع دائرة الأمان المحيطة بحرم المطار، وصولاً إلى ضمان حرية الملاحة الجوية وأمنها بشكل كامل.
خسائر مباشرة
مع إعلان وزارة النقل السورية وقف الرحلات الجوية من مطار دمشق الدولي وإليه على خلفية العدوان الإسرائيلي الذي استهدف المهابط وأجهزة الإنارة الملاحية وصالة الركاب القديمة، فإنَّ الخسائر الاقتصادية المترتبة على ذلك يمكن أن تشمل ما يلي، وفقاً للقراءة الأولية للحدث:
– تكاليف عمليات الإصلاح التي ستضطر هيأة الطيران المدني السورية إلى تنفيذها، بغية إعادة جهوزية المطار فنياً للعمل. هذه التكاليف تختلف تبعاً لماهية الضرر الذي لحق بالمطار وحجمه.
وتشير البيانات بوضوح إلى أنَّ العام 2019 كان قد سجَّل أعلى رقم في عدد الركاب منذ العام 2013، فقد وصل العدد إلى أكثر من 1.3 مليون راكب مقارنة مع نحو 797 ألف راكب في العام 2013، ونحو مليون راكب في العام 2015.
ورغم أن عدد الطائرات قد لا يكون مؤشراً دقيقاً بالنظر إلى أنَّ الأهمية تكمن في عدد الركاب، فإنَّ ارتفاع عدد الطائرات المقلعة والهابطة خلال العام الماضي مؤشر إلى حالة الانتعاش التي بدأ يستعيدها مطار دمشق خصوصاً، والمطارات السورية الأخرى عموماً، إذ بلغ إجمالي عدد الطائرات في العام 2021 نحو 8743 طائرة، بزيادة قدرها 52% مقارنة بعدد الطائرات عام 2020، فيما كان العدد في عام 2019 نحو 11 ألف طائرة.
الخسارة هنا ليست محصورة في الإيرادات التي كان يمكن لشركات الطيران تحصيلها، إنما تشمل قطاعات أخرى كثيرة، كالتجارة والصناعة والسياحة، وخصوصاً أن فصل الصيف يشهد عادة إقبال العديد من السوريين العاملين في دول الخليج وغيرها من دول العالم لقضاء إجازاتهم الصيفية في سوريا بعد تحسن الأوضاع الأمنية، إضافةً إلى رجال الأعمال والتجار المشاركين في المعارض والمؤتمرات الاقتصادية وغيرها من الفعاليات التي تقام في هذه الفترة من كل عام.
– الخسائر المترتبة على الخدمات التي كان المطار يقدمها لعدد من الطائرات غير السورية التي كانت تنقل مسافرين من جنسيات مختلفة، كالطائرات العراقية والإيرانية، وهي، على تواضعها مقارنة بحركة الملاحة في المطارات العربية أو بواقع المطارات السورية قبل الحرب، تصبح مهمة ومؤثرة بالنسبة إلى الوضع الاقتصادي في البلاد حالياً وتأثيرات العقوبات الغربية، والأمريكية منها تحديداً، في قطاع النقل الجوي السوري.
– الخسائر المترتبة على توقف الشحن الجوي للبضائع، الذي بدأ بدوره يستعيد عافيته بعد موجة تفشي فيروس كوفيد 19 عام 2020، مع الإشارة هنا إلى مؤشر مهم جداً، هو أنَّ العام 2019 سجَّل أعلى حجم بكمية البضائع المنقولة عبر المطارات السورية على مدار 18 عاماً، إذ بلغت كمية البضائع الكيلو مترية المنقولة جواً على الطيران السورية نحو 5817 طناً/كم جوياً مقارنة بنحو 4297 طناً/ كم جوياً في العام 2007.
على المدى المتوسط
أكثر ما يؤرق في التبعات الاقتصادية للعدوان الأخير هو أن “إسرائيل” تحاول، وبذريعة منع وصول التكنولوجيا العسكرية الإيرانية إلى حزب الله، إحداث شلل كامل في رئة البلاد الاقتصادية وبوابة الانفتاح السوري على العالم الخارجي، والتي أخذت تتوسع يوماً بعد يوم، إذ إنَّ استهداف المهابط المخصصة للطائرات المدنية ليس له تفسير سوى الرغبة في إعادة الوضع إلى ما كان عليه في العام 2013 وما بعد، عندما كان المطار يُستهدف بقذائف هاون المسلحين، في مسعى لإخراجه عن العمل نهائياً، وتالياً عزل البلاد بشكل كامل. هذا الهدف يتقاطع تماماً مع العدوان الذي جرى منذ أشهر قليلة على محطة الحاويات في ميناء اللاذقية، والمستثمرة من قبل شركة فرنسية، وليس من قبل شركة إيرانية!
ويمكننا هنا تحديد بعض الأهداف الاقتصادية الإسرائيلية على المدى المتوسط أو البعيد، وهي أهداف ستبقى رهناً بما يمكن أن تسفر عنه التحركات السياسية الإقليمية والدولية لمنع تدهور الوضع إلى ما لا يحمد عقباه على دول المنطقة والعالم:
– تحذير شركات الطيران العربية والأجنبية التي بدأت تفكّر وتدرس جدياً إمكانية إعادة تشغيل رحلاتها باتجاه دمشق بعد توقف دام عقداً من الزمن، فضلاً عن الشركات التي عادت لتدرس إمكانية استخدام المجال الجوي السوري في تسيير رحلاتها بين الشرق والغرب لأسباب اقتصادية وزمنية في آن معاً.
وهنا، لا تهدف “تل أبيب” إلى إلحاق خسائر اقتصادية بدمشق فحسب، إنما الحيلولة أيضاً دون استعادة المطار حركته الطبيعية، سعياً منها نحو ترسيخ ما تتبناه من زمن، والقائم على أن مطار دمشق هو مجرد ممر يستخدم لإيصال الأسلحة إلى فصائل “تناصبها العداء“.
رغم تأثير العقوبات الأمريكية المفروضة على قطاع الطيران السوري منذ سنوات ما قبل الحرب وخلالها، فإنَّ البلاد تمكّنت من تجاوز العديد من العراقيل والاستمرار بتشغيل طائراتها المحدودة، بل وتدعيم الأسطول السوري الصغير بطائرة من الطراز الكبير، وهو ما تمَّ في ذروة سنوات الحرب.
لذلك، أنّ التحرّك الإسرائيلي هو محاولة لزيادة الخناق الاقتصادي على شركتي الطيران السوريتين العاملتين حالياً والمؤسسات الأخرى المعنية بقطاع النقل الجوي من جهة، وعلى البلاد عموماً من جهة ثانية.



