خواطر في ذكرى هزيمة الـ67

ما إن انتهى عبد الناصر من كلمته حتى وجدت نفسي وسط طوفان من البشر يهرول من دون هدى صائحاً “حنحارب..حنحارب“.
ما تزال ذكرى حرب 1967 محفورة في وجداني كأنها حدثت بالأمس القريب، رغم مرور 55 عاماً على وقوعها. كان عمري وقتها 20 عاماً، وكنت قد انتهيت من أداء امتحان السنة النهائية في قسم العلوم السياسية بكلية التجارة جامعة الإسكندرية، وعدت بالفعل إلى القرية التي تقيم فيها أسرتي في محافظة البحيرة، وفي اليوم التالي، اندلعت الحرب.
ولأنني كنت في هذه السن المبكرة متحمساً للرئيس جمال عبد الناصر، ومؤمناً بمشروعه الوطني والقومي، ومقتنعاً بجدارته في قيادة مصر والأمة العربية، فقد كان لدي ميل طبيعي إلى تصديق كل ما يقال في وسائل الإعلام الرسمية عن نتائج المواجهة العسكرية المحتملة مع “إسرائيل”، ولم يكن يخالجني أي شك في نصر حاسم وسريع إن وقعت الحرب، لكن ما جرى في ميدانها كان صادماً لدرجة لا تصدق. وقد أصابني ذهول حقيقي أثناء استماعي إلى الرئيس عبد الناصر وهو يتحدث فجأة عن تحمّله المسؤولية الكاملة عما جرى، ويعلن في الوقت نفسه قراره بالتنحي عن أي منصب رسمي.
ومع ذلك، ما إن انتهى الرئيس من إلقاء كلمته الصادمة حتى وجدت نفسي محشوراً وسط طوفان من البشر، يهرول من دون هدى نحو الشوارع، ويصرخ مطالباً برفض الهزيمة ومواجهة التحدي، صائحاً بأعلى ما تسعفه الحناجر “حنحارب..حنحارب”. أظن أن وقتاً ليس بالقليل مر قبل أن تبدأ مشاعري في العودة التدريجية إلى حالتها الطبيعية، ويتمكّن عقلي من استرداد قدرته على التفكير الهادئ، وبدأ يلحّ على ذهني طوفان من الأسئلة المشروعة حول حقيقة ما جرى، وكيف أمكن التغرير بالشعب إلى هذا الحد.
حين بدأت أمارس عملي الأكاديمي في جامعة القاهرة، مطلع الثمانينيات من القرن الماضي، بدت لي المعاهدة الموقعة بين مصر و”إسرائيل” عام 1979 وكأنها الموضوع البحثي الأولى بالرعاية والاهتمام في مقتبل حياتي المهنية، إذ راح يلح على ذهني وقتها سؤال يدور حول ما إذا كان بمقدور هذه المعاهدة أن تفضي إلى تسوية حقيقية ودائمة للصراع العربي الإسرائيلي، وقادني البحث إلى نتائج شرحتها في كتاب نشره مركز دراسات الوحدة العربية عام 1984 تحت عنوان “مصر والصراع العربي الإسرائيلي: من الصراع المحتوم إلى التسوية المستحيلة“.
اليوم، وبعد 43 عاماً من إبرام هذه المعاهدة، قد تبدو الصورة ملتبسة في أذهان البعض. فمن الواضح أن مصر الساداتية لم تعد تقف وحيدة في ساحة المطبعين، إذ تلاحقت من بعدها تباعاً موجات التطبيع مع “إسرائيل”: ففي موجة ثانية التحقت الأردن بركب المطبعين، عقب إبرامها لاتفاقية وادي عربة عام 1993، وتبعتها منظمة التحرير الفلسطينية، عقب إبرامها لاتفاقية أوسلو عام 1994. وفي موجة ثالثة، بدأت تضرب المنطقة عقب إعلان ترامب عن “صفقة القرن” عام 2018، انضمت إلى قافلة المطبعين مع “إسرائيل” دول عربية جديدة، مثل الإمارات والبحرين ثم المغرب..الخ.
ورغم أن هذه الصورة قد توحي في ظاهرها بأن التيار الساداتي انتصر في النهاية، وأن قطار التطبيع انطلق ولن يكون بمقدور أحد وقفه، لكن ما يجري في الأعماق شيء آخر. فرغم قطار التطبيع المتحرك، أو حتى المنطلق، لم يتحقق السلام في المنطقة حتى الآن، بل ولم يكن أبعد مما هو عليه الآن.
والواقع أن كل ما جرى ويجري في المنطقة حتى الآن يؤكد، من ناحية، أن “إسرائيل” لا تريد السلام وإنما تبحث عن الهيمنة على كامل المنطقة، وأن بعض الأنظمة العربية مستعدة للتعايش مع هذه الهيمنة أو حتى الرضوخ لها، إما خوفاً من إيران أو استسلاماً للإرادة الأميركية، لكن ما جرى ويجري في المنطقة يؤكد، من ناحية أخرى، أن الشعوب العربية، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني، لن تقبل بهذه الهيمنة، بل وتصر على مقاومتها وإلحاق الهزيمة بالمشروع الصهيوني، مهما طال الزمن وعظمت التضحيات.
ورغم كل الخلافات القائمة بين التيارات والفصائل السياسية في العالم العربي، ومنها التيارات الفلسطينية، ما زال بعض هذه الفصائل يحمل السلاح ويصر على المقاومة المسلحة، بل واستطاع تحقيق إنجازات لا يمكن الاستهانة بها، ما يجعل الأمل في النصر حياً مهما طال الزمن.



