اراء

الصين.. تحديات خارجية واستحقاقات داخلية

 

بقلم/شاهر الشاهر ..

كثر الحديث في الآونة الأخيرة، وخاصة بعد الحرب في أوكرانيا، عن الصين وسعيها لاستعادة تايوان، على الرغم من الاختلاف الشديد بين القضيتين ربما، وعلى الرغم من أن قضية تايوان وإن كانت من أولويات الحكومة الصينية، فهي ليست الأولوية الأولى من وجهة نظري لاعتبارات داخلية وخارجية سنحاول الإجابة عنها في هذا المقال.

الأولوية للداخل

ركزت الحكومة الصينية، خلال العقود الماضية، على أهمية تقوية جبهتها الداخلية، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وانكفأت خارجياً متبعة سياسة محايدة إلى حد ما، متجنبةً الخوض في المشكلات الدولية أياً كانت، واضعة الهدف الاقتصادي نصب عينيها وساعية إلى تحقيقه، مبتعدة عن أي سبب قد يعرقل وصولها إلى تحقيق هذا الهدف

ولأن الصين لم تكن تشكل خطراً حقيقياً حينها فقد تُركت وشأنها، وذلك نتيجة لمصالح اقتصادية كبيرة للدول الغربية التي دخلت إلى السوق الصينية مستفيدة من اليد العاملة الرخيصة فيها، وكبر حجم هذه السوق والذي يعدّ هدفاً لأي دولة أو شركة في العالم، فالصين بلد يشكل عدد سكانه خمس عدد سكان العالم تقريباً.

الحكومة الصينية، من وجهة نظري، استفادت من الدرس التاريخي المتمثل بإقامة سور الصين العظيم الذي بني ليحميها من العدو الخارجي، لكن هذا السور ورغم عظمته لم يستطع فعل ذلك حين وجد متآمر من الداخل، من هنا فتحصين جبهتها الداخلية هو الأساس لمواجهة العدو الخارجي وهزيمته، فالأمم لا تهزم إلا حينما تتحقق ثنائية الداخل والخارج: داخل متآمر.. وخارج متربص.

من هذه الزاوية سعى الحزب الشيوعي الصيني إلى تعبئة الجماهير وتوعيتها، لتكون يداً واحدة لبناء الصين العظيمة التي وعدهم بتحقيقها، عبر رؤية علمية دقيقة وخطط رسمت بدقة وجرى العمل على تنفيذها وفقاً لما رسم، مستخدمين سياسة الثواب والعقاب، فالمحاسبة لمن قصر والمكافأة لمن عمل وتفانى. فأخفق أحياناً، ونجح في أحيان كثيرة. وإذا كانت العبرة في النتائج كما نقول دوماً، فإن ما وصلت إليه الصين اليوم خير دليل على نجاح الحزب الشيوعي الصيني في نقل الصين من دولة يأكل سكانها أي شي، نتيجة للفقر الشديد المدقع (كانوا في الصين يأكلون كل ما يسير على الأرض… عدا السيارة، وكل ما يطير في السماء… عدا الطائرة)، إلى دولة تنافس للتربع على عرش العالم.

تلك النجاحات الكبيرة، لم تجعل الحزب الشيوعي الصيني بمنأى عن الانتقادات التي وجهت إليه، وخاصة من قبل الدول الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، وهنا نتفهم وجهة النظر الأميركية التي وبلا شك تشعر بالقلق من حزب استطاع أن ينافسها ويهدد بقاءها قطباً مهيمناً على السياسة الدولية، فبدأت الانتقادات الأميركية توجه إلى الصين، كما أي دولة أخرى في العالم، لجهة عدم تطبيق الديمقراطية وعدم احترام حقوق الإنسان، …إلخ

الديمقراطية الأمريكية ليست النموذج الأفضل

وهنا، لا بد من التساؤل: ما الذي يجعل الديمقراطية الأميركية هي “النموذج” الذي يجب على دول العالم الالتزام به وتحقيقه؟ وهل فعلاً هي ديمقراطية حقيقية أم مجرد ذريعة تستخدم ضد الدول التي لا تلتزم بالأجندة الأميركية؟ وكيف نفسر وجود حلفاء للولايات المتحدة من خارج حلف الناتو؟ وهي دول أبعد ما تكون عن الديمقراطية!! وهل الديمقراطية هي الطريق الوحيد لتحقيق الرفاه والازدهار كما واظبت الدول الغربية على قول ذلك؟ وكيف حققت دول “لا ديمقراطية” من وجهة النظر الأميركية، الرفاه والازدهار والتقدم؟

وهنا، لا بد من الإشارة إلى الخطوات العملية التي قامت بها بكين لإفشال هاتين الاتفاقيتين، فلم تكتف بكين بالإدانة والشجب، بل أقدمت على خطوات عملية تمنع تطويق بكين في المستقبل، فقامت بـ:

التوقيع على اتفاقية أمنية مع جزر سليمانهذه الاتفاقية ستسمح لبكين بانتشار أمني وعسكري صيني في الجزيرة. كما تضمنت مقترحاً بأنه: «يمكن للصين، وفقاً لحاجاتها وبموافقة جزر سليمان، إجراء مناورات وكذلك زيارات للسفن والقيام بعمليات تموين لوجستية والتوقف والعبور في جزر سليمان». وتسمح أيضاً للشرطة الصينية المسلحة بالانتشار بناء على طلب من جزر سليمان لإرساء «النظام الاجتماعي». وسيُسمح لـ«قوات الصين» بحماية «سلامة الأفراد الصينيين» و«مشروعات كبرى في جزر سليمان». ومن دون الموافقة الخطية للطرف الآخر لا يمكن لأي منهما الكشف عن المهمات والإجراءات والاتفاقات الموقعة

الاتفاقية بين الصين وكيريباتيكيريباتي جمهورية استقلت عن المملكة المتحدة في العام 1979. وهي عضو في الكومنويلث وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وأصبحت عضواً كامل العضوية في الأمم المتحدة في عام 1999. كيريباتي وغيرها من الدول الصغيرة باتت تحتل عناوين كبيرة لأنها باتت جزءاً من الصراع الدولي الضخم في منطقة المحيط الهادئ. وبالتزامن مع زيارة الرئيس الأميركي جو بايدن إلى منطقة آسيا، فقد سعت بكين إلى توسيع تعاونها مع عدد من الجزر الاستراتيجية في منطقتي المحيط الهندي والهادئ، فكان الاتفاق الذي وقع مؤخراً مع جمهورية كيريباتي، استكمالاً للاتفاقات التي تسعى بكين إلى تنفيذها، والتي بدأت بالاتفاقية التي وقعت سابقاً مع جزر سليمان

وختاماً، ونتيجة للاعتبارات السابقة، فإن بكين منشغلة في تحقيق أولوياتها التي صاغتها بعناية، والتي لا تريد لأي عارض خارجي أن يجبرها على إعادة ترتيب تلك الأولويات، ويبقى العامل الداخلي هو الأهم لبلد اعتاد الاعتماد على نفسه، والانغلاق على الذات، إذا استدعت الضرورة ذلك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى