أزمة المياه وحلم الأمطار

بقلم/ صالح الهماشي..
في ظل التغيرات المناخية التي تعصف بعالمنا اليوم وما تتركه من اثار على كل دول العالم، نال بلدنا النصيب الاكبر من هذه التغيرات، مع الاخذ بالاعتبار ان هذه التغيرات بدأت منذ ثمانينيات القرن الماضي وليست وليدة اللحظة او الظرف الراهن، وتصاعدت يوما بعد يوم، حتى بلغت ذروتها في شكلها الحالي، وتتجلى هذه المشكلة محلياً من خلال نقص المياه الكبير في مجرى نهري دجلة والفرات، حتى وصل بنا الحال ان نرى نهر الفرات يحتضر امام اعيننا دون حلول واقعية او موضوعية تخفف من اثار الجفاف والتصحر الذي سوف يؤثر على الحياة في كافة مجالاتها، حيث سيتاثر الواقع الاقتصادي سلباً من خلال تراجع الزراعة والصناعة والخدمات، بسبب نقص المياه الذي يدخل بشكل مباشر وحيوي في كافة مجالات الحياة، كما سيكون لها اثرها الاجتماعي السلبي من خلال تفاقم حالات الهجرة من القرى الى المدن (والذي تعاني منه البلاد أصلاً) وهذا التفاقم بدأ فعلاً يحدث في بعض المحافظات مثل محافظة الديوانية وميسان، وستطول القائمة لتشمل كل المحافظات ان لم توضع الحلول الموضوعية بهذا الخصوص، ولعلي لا اغالي اذا ما تنبأت باتساع هذه الصورة لتشمل الهجرة من مدينة الى مدينة، وربما تتطور الى هجرة دولية يخسر بسببها بلدنا ما تبقى من موارده البشرية.
ان الحكومة مطالبة بإيجاد الحل لهذه المشكلة قبل ان تبدأ عجلة الفوضى تدور في البلاد وتدور بها الى قيض التصحر ونقص المياه، وهو الخطر الأكبر الذي يواجه البلاد، وربما تكون البلاد في طريقها لمرحلة شراء المياه من دول المنبع، او مبادلتها بالنفط على اقل تقدير، مع ملاحظة ان بلدنا هو المصب للانهار، أي ان جميع الانهار والروافد تنبع من دول الجوار والمقصود هنا تركيا وايران التي تعاني كل منهما نفس التهديد بالجفاف والتصحر ولكن بدرجة اقل، حيث باشرت هاتان الدولتان بانشاء السدود والخزانات وشبكات جمع مياه الامطار، في الوقت الذي كانت حكوماتنا تنعم باحلامها بزخات الامطار او تنقب في غياهب الماضي بحثاً عن تعويذة المطر رافعة صوتها حتى تكاد تصم اذان السياب وهي تستجدي السماء “مطر مطر مطر ”
ان حلول مشكلة التصحر والجفاف تكمن في الواقع لا في الاحلام كما يعتقد الكثير من المسؤولين وهناك العديد من الخيارات المطروحة ومنها :-
- انشاء مراكز بحثية تأخذ على عاتقها حل هذه المشكلة بمجموعة حلول مثل الامطار الصناعية، او تحلية مياه البحر، او اعادة معالجة المياه الثقيلة ومياه المبازل .
- التأكيد على ادخال التقنيات الحديثة في الري والتشجير ومغادرة الأسلوب التقليدي الذي مر عليه قرابة ثمانية آلاف سنة.
- التركيز على الأشجار التي تنمو في البيئة الصحراوية، التي من طبيعتها تتحمل الجفاف ودراجات الحرارة العالية.
- بالإضافة الى انشاء السدود والخزانات المائية وشبكة جمع مياه الامطار على قلتها
لعل هذه الحلول لا تمثل سوى انموذج يمكنه الاسهام في حل ولو جزء يسير من هذه المشكلة للحفاظ على البلد من الوقوع في فوضى قد تبدأ ولا تنتهي، اذا لم تباشر الحكومة اليوم وليس غداً في خطواتها الأولى، وفيما عدا ذلك فلن تسطيع ايجاد الحلول في ذروة المشكلة، وسيكون القادم تدخل الجهات الخارجية وكلاً حسب مصلحته للاستفادة من هذه المشكلة لاستنزاف موارد البلاد الطبيعة وعلى راسها النفط والغاز، ومواد اخرى مثل الكبريت والفوسفات وغيرها بما يخدم مصالح تلك الجهات بعيدا عن مصلحة بلادنا.
لا يزال بإمكاننا اعتبار ان الوقت ليس متاخرا في البحث عن حل، اذا ما بدأ اليوم ولكن ربما سيصبح صعباً في المستقبل، ولربما لن يطول بنا المقام حتى نذهب لطلب المساعدات الاممية التي ستجد لها مبررا كافيا لفرض شروطها وهي تضمن ان لا حيلة لنا سوى القبول بكل شيء، لاننا فقدنا السيطرة على المشكلة ولم يعد في مقدور الحكومة اي شيء تعمله.
وفي الختام قد يتهمني البعض بالتشاؤم، وقد يكون له بعض الحق فيما يرى، ولكن في المقابل يجدر القول وبصراحة ان تشاؤمي نابع من الإهمال واللامبالاة الذي تعيشه الحكومات المتعاقبة وجميع مؤسسات الدولة في تعاطيها لهذه المشكلة .
ولكن الخطوة الاولى تحتاج لضغط جماهيري بهدف اجبار الحكومة على اطلاق حزمة القرارات النافعة للفلاح, فالأرض الزراعية والقروض والدعم كلها بيد السلطة, والباقي على الفلاح, فهل يشهد العراق انطلاق ثورة زراعية كبيرة قريبا, ام نبقى نستورد البصل والفجل والخيار والبطاطا وحتى الثوم.



