ماذا يريد لافروف من دول الخليج ؟

زار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف البحرين يوم الاثنين 30 أيار/مايو الماضي، واستقبله الملك البحريني و ولي عهده. وقد عقد مؤتمراً صحافياً مع نظيره البحريني عبد اللطيف الزياني، وقال إنه ناقش مع الجانب البحريني عدداً من القضايا، منها: العلاقة الاقتصادية بين البلدين، والملف السوري، وقضية الاتفاق النووي الإيراني، وفلسطين، والملف اليمني، ومشكلة الغذاء العالمية، والصراع الدائر في أوروبا بين روسيا وأوكرانيا.
بعدها، توجّه إلى السعودية للقاء وزير خارجيتها و وزراء خارجية قطر والإمارات لبحث أمن الطاقة والأمن الغذائي وجملة من القضايا المشتركة. وستعقب زيارته للخليج زيارة لا تقل أهمية إلى تركيا في 8 حزيران، علّق عليها الجانب التركي بأنّ محورها هو بحث تصدير الحبوب للحدّ من أزمة غذائية قد تجتاح العالم.
إلى أيّ مدى تكمن أهمية زيارة الوزير الروسي للخليج ؟
من المعروف أن هذه الدول لا تزال تدور في الفلك الأمريكي، وهناك قواعد عسكرية أمريكية وبريطانية مهمة فيها، فهل تقتصر زيارة لافروف على البُعد الاقتصادي، ويعد كل ما عدا الاقتصاد ضرباً من ضروب الأثر الرمزي المعنوي الذي لا يتعدى تأثيره صدى الإعلام .
تشابك المصالح بين الخصوم
من المؤكد أن العلاقة الدولية أكثر تعقيداً من هذا التصنيف الذي يوحي بالثنائية التي لا يمكنها أن تتلاقى في أرض مشتركة، فحتى في أوج الخصومة بين أمريكا والاتحاد السوفياتي قبل انهياره، كانت هناك أطراف تمثل مساحة تفاهم في بعض المسائل بين الطرفين، لكي يتجنّب كلّ منهما وقوع الكارثة، فكيف اليوم، ونحن نعيش علاقات دولية أكثر تعقيداً، دخلت فيها الأسواق المشتركة كلاعب رئيسٍ في نسج المعادلات ؟.
ويبدو أنَّ الجانب الروسي ليس لديه أية مشكلة في تصدير الحبوب الأوكرانية إلى العالم، لأن ذلك لا يضرّه، لا تكتيكياً ولا استراتيجياً، في أهداف عمليته العسكرية. وفي هذا الجانب، سعى لافروف إلى التفاهم مع أطراف عدة لبلورة حلّ متوازن لهذه المشكلة قبل تفاقمها وتحولها إلى كارثة.
لماذا زار لافروف البحرين ؟
كلّ ما سبق مفهوم في دائرة المصالح المشتركة والحدّ من التضخم العالمي ومنع أيّة كارثة محتملة في وقت حساس للغاية، لكن ما سبب زيارة لافروف للبحرين ؟ إنَّ المملكة الصغيرة ليست لاعباً وازناً في سوق الطاقة، ولا تمتلك تأثيراً سياسياً في المسرح الدولي بشكل ملموس، فما هو الداعي لهذه الزيارة في ظرف يحتاج لافروف فيه إلى كل دقيقة من وقته، لكونه ممثلاً لسياسة بلاده الخارجية، في جو مشحون من الضغوط والتحديات التي تواجه موسكو بشكل غير مسبوق ؟.
هناك قراءتان لهذه الزيارة
القراءة الأولى تذهب إلى أنَّ زيارة لافروف للبحرين، هي مجرد استكمال لشراكة اقتصادية تعيد تموضع الاقتصاد الروسي مع العالم، فضلا عن أثر رمزي مفاده تصريحات أطلقها الوزير الروسي على مقربة من قيادة الأسطول الأمريكي الخامس، ما يعكس أثراً واهتماماً غربياً بهذه الزيارة، على الأقل على صعيد التداول الإعلامي.
موقف دول الخليج
لكنَّ الأسئلة الأخرى المهمة هي: ما موقف دول الخليج من التحرّك الروسي ؟ وهل يمكن فعلاً أن يتّخذ الخليجيون موقفاً مخالفاً لإرادة الإدارة الأمريكية في هذا الظرف المشحون أم أن دول الخليج وتركيا هي مساحات مشتركة يحتاج كل من الطرفين، الروسي والأمريكي، إلى بقاء خط رجعة فيها في حال تبدّل الأحوال ؟.
أعتقد أنَّ العالم يمر بمرحلة انتقالية، ودول الخليج تفتقد الرؤية الواضحة في اتخاذ الموقف. طبعاً، هناك حثٌّ من الولايات المتحدة على تطبيق عقوباتها على روسيا، لكن لا يوجد تشدد وإلزام، لأن هذه العقوبات تضر العالم أجمع، بل إنَّ الحزمة السادسة من العقوبات الغربية أوقفت، لأن ارتداداتها على الغرب نفسه مؤلمة جداً، وهذا الأمر يحتاج الغربيون فيه للعديد من المراجعة، فكيف بغيرهم ؟.
ومن المرجّح أن تمارس دول الخليج دوراً حذراً في العلاقة بين أمريكا وروسيا، مع اهتمام أكثر بالمطالب الخليجية لواشنطن، وابتزازها بشكل غير مباشر في هذا الشأن، مثل عرش المملكة العربية السعودية لمحمد بن سلمان، وتموضع الإمارات في باب المندب، وغيره من المطالب التي تحدثت عنها صحيفة “وول ستريت جورنال” قبل شهر تقريباً.
وحتى الآن، لا تضر علاقة دول الخليج بالصين وروسيا بأية مصلحة أمريكية، والاختبار الحقيقي لصحة هذا الرأي من خطئه هو توجه الخليج إلى التعاون العسكري مع بكين وموسكو أو إحداهما. حينئذ، سنعرف ما إذا كان الخليج لديه اللياقة لكسر الخطوط الحُمر الأمريكية أو لا.



