ثقافية

قصيدة النثر .. من الشرح والسرد الى الإيحاء كحداثة شعرية

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الشاعر والكاتب أحمد البياتي، إن قصيدة النثر مرّت بمراحل عديد بدءاً من الشرح والسرد وصولاً الى الإيحاء كحداثة شعرية. وقال البياتي في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: “كان النثر يعبّر عن الإنسان في أكثر شؤونه خطورة وعن أشدها بساطة ، لقد انتفض أخيراً على واقع تأريخي حرمه زمناً طويلاً ، فحين كان الشعر يحظى بالترف والإعلاء، ظل النثر يتخبّط في عواءٍ أجرد، وظل التعارض راسخاً بين الشعر والنثر زمناً طويلاً ، ولا شك ان هناك فروقاً ملموسة بين قصيدة النثر والشعر المنثور، لكنها تشير جميعاً الى فارق أساسي يتمثل في البناء الشعري لكل منهما وتقود في النهاية الى تعميقه وإبرازه”.

وأضاف، ان الشاعر ادونيس مثلاً يرى (ان النثر الشعري اطنابي ، يسهب ، بينما قصيدة النثر مركزة ومختصرة ، وليس هناك ما يقيّد مسبقا النثر الشعري ، أما في قصيدة النثر، فهناك شكل من الإيقاع ونوع من تكرار بعض الصفات الشكلية ، ثم ان النثر الشعري سردي، وصفي، شرحي ، بينما قصيدة النثر إيحائية).

وتابع: ولذلك حاول كثيرون التمييز بين قصيدة النثر وسواها من الكتابات الشعرية ، كالشعر المنثور أو النثر الشعري أو الشعر الحر . ففي أدبنا العربي بُذلت جهودٌ كثيرة أيضا للتمييز بين هذه الأنواع الشعرية ، فكان ادونيس وانسي الحاج وجبرا إبراهيم جبرا يرون ان ما يميز النثر عن الشعر الحر كون قوامها (نثراً متواصلاً في فقرات) ، بينما يرى الدكتور عبد الواحد لؤلؤة: (ان الشعر الحر هو تنظيم الأبيات دون اعتبار لوزن أو قافية إلا ما جاء عفواً) .

وأوضح : لذا فان المعوّل عليه في التفريق بين قصيدة النثر والشعر المنثور والشعر الحر هو الوجود الفيزيائي للنص ، أي شكله المتحقق على الورق ، تعرِّف سوزان بيرنار قصيدة النثر بأنها ( قطعة نثر موجزة بما فيه الكفاية ، موحدة ، مضغوطة ، كقطعة من بلور .. خلق حر ، ليست له من ضرورة غير رغبة المؤلف في البناء ، خارجاً عن كل تحديد ، وشيء مضطرب إيحاءاته لا نهائية).

وبيّن : “عليه تمثل ولادة قصيدة النثر رغبة عميقة في التحرر من تقاليد اللغة ، والتمرّد على قوالب العروض و وضع حد لطغيانها الذي كان يحدد بمفردة شعرية النص ، بينما تمثل قصيدة النثر الآن في ما تجسد من دلالاتها جزءاً من اتجاه حداثتنا الشعرية ومطالبها الجمالية والفكرية، ولا شك ان قصيدة النثر كانت تصل أحياناً الى مستويات تعبيرية مدهشة ، كما يتجلّى في قصائد محمد الماغوط وبعض كتابات ادونيس وأنسي الحاج والسياب والبياتي ونازك الملائكة وغيرهم من شعراء الحداثة”.

وختم : “لقد كانت قصيدة النثر جريئة لكسر ما بدا على موسيقى القصيدة العربية من رتابة ، ولا شك أنها استطاعت عبرّ شعرائها المتميزين ان تعبّر عن بعض ما في حياتنا اليومية من حزن وتوتر وفرح ، وبرهنت أيضا على أنها إثراء لخيارات الشاعر في تنويع أشكاله الإيقاعية وفي بُناهْ التعبيرية ، كذلك ضمن مناخ الحداثة لا تعود اللغة وسيلة ، بل تصبح هدفاً للخلق وتجلياً له ، حيث ينهض صوت الكلمة بدور في تجسيد الدلالة ، وتغدو الكلمة شكلاً صوتياً للمعنى ، ولا ينكر ان الصورة تمثل في الشعر الحديث مصدراً مهماً لثراء التعبير وتوتره ، مصدراً لغنى شعري كبير ، إذ لا يمكن لقصيدة ما الارتقاء الى مستوى من الحيوية الشعرية دون ان يكون للصورة دور في إذكاء قوة الأداء والتصعيد من كثافته وشعره ، لذلك حين تقاربت الصورة واللغة والإيقاع الداخلي تم خلق مجرى جديد للشعرية خارج الهيمنة المطلقة للوزن والقافية وفتحت طرقاً جديدة للوصول الى مكمن الشعرية في النص وملامسة لذّته وغموضه وطراوته ، إذا الحداثة خلقت لنا مناخاً جديداً وصارت شعرية القصيدة نتاجاً لعوامل متعددة” .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى