ثقافية

 «جرائم المستقبل».. جسد الإنسان كعمل إبداعي دائم التطور

 

نسرين سيد أحمد..

يصور فيلم «جرائم المستقبل» جسد الإنسان كعمل إبداعي دائم التطور والتغير للتكيف مع معطيات الحياة، كما يصور أن رغبات الإنسان وشهواته، مثل اشتهائه للطعام أمور أيضا دائمة التغير، وأنه مهما حاولت السلطات وضع صورة جامدة لما يجب أن يكون عليه البشر، سيجد الناس سبلهم للتمرد على القوالب والأنماط الموضوعة لذلك.

لا يقدم «جرائم المستقبل» مشاهدة يسيرة، كما هو الحال مع العديد من أعمال كروننبرغ التي تنتمي إلى سينما «رعب الجسد» مثل فيلميه «الذبابة» و»تحطم». «جرائم المستقبل» فيلم يتطلب حضورا نفسيا وعقليا، فيه من المشاهد المؤلمة الصادمة الكثير. لكن مشاهدته تفتح لنا الكثير من الأبواب للتأمل والتفكير في الإنسان وماهيته وتطوره وقدرته على الإبداع. وعلى الرغم من بعض مشاهده الصادمة، إلا أن الفيلم يقدم تصورا فيه من الأمل الكثير لجسد بشري لا يتصارع مع المعطيات البيئية المحيطة به، بل يتكيف معها.

يبدأ الفيلم بمشهد طفل يلعب على الشاطئ، بينما تلوح في الأفق سفينة غارقة غمرت مياه البحر جزءا كبيرا منها. إنها معطيات تنبئ بمستقبل يتعايش فيه الإنسان مع الكثير من الكوارث ليصبح من العادي والطبيعي أن يلهو طفل وسط المياه المليئة بالحطام والركام. إنه تصور صادم للمستقبل، لاسيما أن الصبي يعود إلى المنزل، لنجده يلتهم بتلذذ ونهم وعاءً صُنع من البلاستيك، يقضم قطع البلاستيك بأسنانه ويمضغها بيسر ويبتلعها بتلذذ. يبدو الطفل وهو يلتهم البلاستيك كائنا غير طبيعي أو آدمي، فتكتم أمه أنفاسه بالوسادة حتى يموت، لأنها رأت في قدراته الجسدية الغريبة على التغذي على ما هو ليس بطعام للبشر خللا يُخرج الصبي من مصافِّ البشر ويجعله في نظرها مسخا.

يتضح لنا في الفيلم أن هذا الصبي ليس بالحالة الفريدة وأن الكثير من التغيرات والتطورات حدثت للجسد الإنساني ليواكب ما يحدث في البيئة من تغييرات. يدفع هذا السلطات في الفيلم إلى إنشاء مؤسسة جديدة تحت اسم «سجل الأعضاء البشرية الجديدة» لمراقبة التحولات الطارئة على جسم الإنسان والقضاء على التحولات التي تعتبرها غير مرغوب فيها أو غير بشرية بالقدر الكافي.

الشخصية المحورية في الفيلم هي سول تنسر (فيغو مورتنسون) الذي تراقبه السلطات عن كثب واهتمام، وهو فنان يستخدم جسده كلوحة أو كعمل إبداعي خاص به. لا يخط تنسر أعماله على جسده من الخارج، بل إن لديه القدرة على تشكيل وتطوير جسمه من الداخل، يمكنه أن يخلق داخل جسده أعضاء حية جديدة وزوائد. وفي مجتمع يصبح فيه الإنسان قادرا على تحمل الجراحة دون ألم ودون تخدير، يواصل تنسر عمله الإبداعي بمساعدة زوجته كابريس (ليا سيدو) وهي طبيبة جراحة في السابق، وفنانة تشكيلية في الوقت الحالي، تتخذ من أدوات الجراحة أدوات لتشكيل جسد زوجها وأجساد الآخرين كما يروق لها ولهم.

في «جرائم المستقبل» يكتسب ما يسمى في الفيلم «الجمال الداخلي» معنى جديدا، فهو ليس صفات الشخصية أو سماتها، بل قدرة الإنسان على تعديل أعضائه الداخلية وتحويرها وتخليق أعضاء جديدة، سواء كان ذلك استجابة من جسده لتعليمات من عقله، أو تدخلا من فنان يغير أعضاء الإنسان كما يحلو له .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى