ما بين زيارتي الأسد للإمارات وإيران.. جلاء أهداف التحركات الإقليمية

بقلم/عبير بسّام..
بعد زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى الإمارات كثرت التحركات والزيارات. تحركات في معظمها تأتي في سياق ترتيب محدد ومعين والمراد منها واضح وجلي ويتقاطع مع عدة أمور هامة:
الأولى: تدفق المطبعين العرب إلى اجتماع النقب، الذي جاء بعد الزيارة بشكل مباشر، والذي ضم الإمارات والبحرين ومصر والأردن.
ثانياً: التصريحات والزيارات المتبادلة ما بين تركيا والكيان العبري المؤقت، والتي ستتطور بعد زيارة رئيس الكيان إلى تركيا ولقائه بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
ثالثاً: ما نشرته الصحافة التركية حول العمل من أجل عودة العلاقات ما بين تركيا أردوغان وسوريا.
رابعاً: تصريح رئيس الوزراء الصهيوني بني غانتس حول عودة سوريا إلى الجامعة العربية.
خامساً: وثابات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ما بين الكيان المؤقت والخليج العربي.
قد يبدو الأمر متناثر الأطراف، ولكنه الحقيقة سعي للجميع من أجل إيجاد دور إقليمي في المنطقة خاصة في مرحلة ما بعد أوكرانيا.
كان من المقرر أن تلي زيارة الرئيس الأسد إلى الإمارات زيارات متبادلة على مستوى عال ما بين سوريا من جهة وكل من مصر والعراق وعمان من جهة أخرى. زيارات يفترض أن تعلن بداية عودة العرب إلى سوريا، أو على الأقل بدء تحسن هذه العلاقات إيذاناً برفع الحصار العربي الذي فرض عليها وعلى الحركة الدبلوماسية ما بينها وما بين الدول العربية بعد وقف عضويتها في جامعة الدول العربية. ولكن المتضرر الأكبر من رفع هذا الحصار، إضافة للكيان العبري هما قطر وتركيا، اللتان ستخرجان بصفر نتائج بعد دفع الأمول الطائلة من أجل تأجيج حرب العشر سنوات التي تعرضت لها سوريا والشعب فيها، واللذان سيخرجان أقوى بالتأكيد. قد تبدو كلمة أقوى مبالغ فيها، ولكن من المعروف، وبغض النظر عن الضائقة التي يمر بها هذا البلد حالياً، لن تشذ سوريا عن القاعدة الأزلية، أن المحن التي لا تقتل تشد العضد وتقويه.
لقد قُدم الجميع، الرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك وحتى أمير قطر حمد بن جاسم واليوم وبدون أدنى شك الرئيس التركي أردوغان أكباش محارق على مذبح سوريا. هذه الشخصيات التي تنهار الواحدة تلو الأخرى بما تمثله من أنظمة موالية 100% للأميركي. واليوم، نستطيع أن نقرأ نتائج الرحلات المكوكية، التي يقوم بها أردوغان الذي فقد الأمل بالتربع على عرش المسلمين السنة.
اذن ما يزال العالم، وليس العالم العربي فقط، يعيش تداعيات الربيعات التي اجتاحت منطقتنا، والتي كانت تجربة أثبتت فعاليتها في نشر الفوضى الداخلية وتكريس التقسيم على أساس عرقي وديني وطائفي. إذ تمت تجربتها في أوكرانيا منذ العام 2014 ومن ثم في لبنان في “فورة” 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019. وفي العودة إلى تداعيات زيارة الرئيس الأسد إلى الإمارات، والتي استفزت كل من تركيا وقطر وبانت نتائجها في الإعلام التركي وحتى القطري، اذ تم نشر أخبار عبر الصحافة التركية ومنها موقع الأناضول “AA” التركي، والذي تحدث عن توجه إلى إعادة العلاقات مع دمشق، إذا ما أرادت تركيا توثيق العلاقات الإقتصادية مع مصر والسعودية والإمارات، وإلا فكيف يكون طريق التبادلات التجارية ميسراً ما بين هذه الدول. ولكن مصادر سورية نفت ما جاء في هذه المواقع. وإمعاناً بالضغط على سوريا من أجل القبول بما يريده التركي من علاقات مجتزأة لا تعترف بالرئيس الأسد، ابتدأ الحديث عن مشكلة اللاجئين السوريين في تركيا ومحاولة استخدامهم كورقة ضغط، وهم منذ سنوات يتعرضون للتمييز والإعتداءات في تركيا. كما ابتدأت مشكلة الضغط على كل من سوريا والعراق بقطع حصتهما الدولية من مياه دجلة والفرات، لتعطيش وتجويع وتصحير البلدين في محاولة للضغط من أجل القبول بالتطبيع مع الصهاينة.
تزامن مع الكلام السابق، ثلاث زيارات هامة، وهي: زيارة وزير الخارجية المصري سامح شكري، وبعد طول قطيعة إلى تركيا. انفتاح أنقرة وزيارة أردوغان كل من السعودية والإمارات، وهذا يقع في إطار محاولة عودة العلاقات مع البلدين تزامناً مع الإنفتاح على سوريا، ومن خلاله تسعى أنقرة لضمان شراكتها في منتدى غاز شرق المتوسط. وما العلاقة التركية القديمة- المتجددة والمستجدة مع الكيان الصهيوني، إلا جزءاً من هذا الطموح الأردوغاني المطلوب تحقيقه قبل 2023 موعد الانتخابات الرئاسية التركية. ومن أجل تعزيز هذه العلاقات قام أردوغان بتقديم تنازلات تخدم مصالحه الإنتخابية عبر تعزيز العلاقة التركية مع الصهاينة بإدانة عمليات المقاومة الفلسطينية، سواءٌ كانت فردية أم من قبل فصائل المقاومة المعروفة، واتخذ إجراءات تجاه تنظيم الإخوان المصري في تركيا، ووافق على إحالة ملف الخاشقجي إلى السلطات السعودية.
في المرحلة الأخيرة، ومنذ زيارة الرئيس الأسد للإمارات في 18 آذار/ مارس وحتى زيارته إلى إيران في الثامن من هذا الشهر، لقاءان تميزا بالحميمية التي أثارت الشكوك والمخاوف من العودة السورية إلى الساحة الدولية، جاء لقاء النقب الذي تحدثنا عنه والرحلات المكوكية التركية في المنطقة العربية ونشطت الزيارات العربية إلى إيران. وتبين أن هناك طرحاً عبرياً من خلال الحلفاء العرب بوقف العمليات على سوريا مقابل خروج إيران منها، فجاء الرد على مخططات الكيان العبري وعلى اجتماع مجموعة النقب وعلى التحركات التركية عبر الزيارة التي قام بها الرئيس الأسد إلى إيران، التي جاء منها رده الواضح بأن: “ما يمنع الكيان الصهيوني من السيطرة الإستراتيجية على المنطقة هو العلاقات الإيرانية – السورية”.



