«قلعة المتاهات».. الكاتب ينتج لغة تمنحه بناء معانٍ جديدة

مصطفى بوتلين..
يقول رولان بارت في كتابه النقد والحقيقة في تحليل القول السردي لبلزاك «فمن يتكلم هكذا؟ هل هو بطل القصة أم بلزاك الفرد؟ أم بلزاك المؤلف؟» ليخلص إلى استنتاج مفاده «أن الكتابة هدم لكل صوت ولكل أصل» فالكتابة هي هذا الحياد، وهذا المركب، وهذا الانحراف الذي تهرب فيه ذواتنا، الكتابة هي السواد والبياض، الذي تتيه فيه كل هوية، بدءا بهوية الجسد الذي يكتب. من هو هذا المؤلف الذي يكتب في قلعة المتاهات؟ لا يتيح لنا النص السردي التعرف على هويته، لكننا نعرفه كفرد منا أي كمنتوج لتاريخ محلي، وكتجربة اجتماعية مؤطرة بوعي ثقافي ومعرفي وفني بمعنى ذاك الكل المتجانس الذي يشكل المؤلف، غير أن سطوة المؤلف على المحكي لا تحضر بالشكل الكلاسيكي للسرد، إنما يحضر كبؤر متفرقة وغير مدركة، فالنصية تتحقق من خلال تعدد الأبعاد وتنازع أنماط مختلفة من الكتابة داخل القول الأدبي، إنه نوع من التجاوز لسلطة المؤلف وتحققها بشكل مغاير وجديد. يقول رولان بارت «وقد تتجلى سلطة الكاتب في خلط الكتابات ومعارضة بعضها بعضا».
تبدأ قصة «استدراج» بهذه الجملة «ترن الساعة معلنة عن الواحدة ليلا متبوعة بنقر على الباب» من هو صاحب هذه الجملة وما مصدرها، هل هو البطل؟ المؤلف؟ أم الكاتب الفرد؟ لا تتحقق فنية الجملة ولا سرديتها إلا بفعل القراءة، فالقارئ هو القائل، لأن شحنة المعنى لا تتحول إلى طاقة دون تحقق الفعل القرائي، وبه (القارئ) تتخذ الكتابة شكلها ككائن حي ينمو ويتطور ويتفاعل، في ذهن القارئ وفي هواجسه وفي أفق انتظاره، «أحدق في الظلام لعلي أجد إنسانا طرق باب بيتي خطأ فلا أجد أحدا». الكتابة من خلال الجمل السردية لقصة استدراج هي تشكيل داخل فضاء الكاتب، تشكيل نفسي وتاريخي ولغوي وسياسي، تشكيل تمت بنينته كلغة سرد، لكنها كأثر لا تتحقق إلا من خلال ذات قارئة، بمعنى أدق أنها تنتهي كصنعة لتبدأ كفعل حي أو كنص يمنحه القارئ المعنى والدلالة والقيمة، ولا يستطيع النص التفاعل دون القراءة التي ليست سوى إعلان موت المؤلف، وبداية النصية كفن ينتقل من فضاء الكاتب إلى فضاء أرحب وهو التاريخ الجمعي واللاشعور للقراء. من الذي يحكي في قصة استدراج، المؤلف أم البطل؟ إذا كان المؤلف هو الحاكي فما تجلياته؟ وإذا كان البطل فما هي أدواره؟ وإذا كان الكاتب كفرد فما هي مظاهر تجربته؟
إن نظام التوازي عبر المتتاليات السردية المؤطرة ببؤرة وحيدة، ذات /قصة، مجرم /ضحية، زمن دائري، يقحمنا في بنية من التماثل داخل الحبكة، تحررنا من الفعل النقدي التقليدي، وتدفعنا إلى الاحتراب داخل بنية النص كعلاقة دالة تنتفي عناصر الارتباط بالمؤلف والبطل والكاتب كشخص، وتستدرجنا إلى الحكاية كمتعة فنية، غاية مسعاها تحقيق النصية المفتوحة على حرية في إنتاج المعنى، النص كلذة خاصة يصنعها القارئ عبر علائق لغوية موضوعة بتصميم مسبق، أو تداعٍ حر أو فلتة لاشعورية للتعبير عن قلق ما إزاء فعل الكتابة كجرم أو كخوف من السلطة، أو كمتاهة مقلقة تعيد إنتاج نفسها في عالم محكوم بالفعل نفسه والزمن نفسه والحكاية نفسها، وعناد المؤلف بإصراره على هزمها بفعل الحكي المنتج لآثار عديدة أثناء فعل القراءة، التأمل، والمتعة، القلق، التشويق، والانتصار لسلطة الحكي وقهرها للتاريخ واللاقيمة، وضآلة المعنى، لهذا كرر الكاتب جريمته/قصته في وجه المجهول الذي يطارد كياننا.
التاريخ لا يمنح الكاتب لغته لأنها تتداول وفق معان سابقة على النص، لهذا ينتج الكاتب لغة تمنحه بناء معان جديدة أو أسلوبه الخاص في عرض اللغة كلفظ وكتركيب وكمعنى.



