اراء

موازنة العراق 2022 في مهب الريح

 

بقلم/ صالح الهماشي..

 

كثر الحديث في هذه الايام عن إعداد واقرار قانون موازنة العراق لعام 2022 ، ومن خلال هذه المقال احب ان ابين للقارئ ان الحديث عن اعداد الموازنة اصبح امرا مستحيلاً، لعدم الجدوى من اعدادها من الناحية الاقتصادية، اضافة الى ان التوقيتات الزمنية لإعدادها حسب قانون الادارة المالية والدين العام قد ازفت وانقضى وقتها، فقد حدد القانون البدء في اعداد الموازنة الشهر الخامس من كل عام من خلال جميع الوحدات التابعة للقطاع العام، حيث تعمد هذه الدوائر الى اعداد جداول تتضمن احتياجات المؤسسات من الاموال اللازمة  للعام القادم، واحتياجاتها من الانفاق بحسب الخطة التي اعتمدتها تلك المؤسسات، لترفع هذه الجداول المالية الى وزارة التخطيط،  وفي الشهر السادس ترسل الى دائرة الموازنة في وزارة المالية،  لدراستها ومراجعتها، و في الشهر التاسع ترسل الى مجلس الوزراء لغرض مناقشتها ومن ثم التصويت عليها.  

 هذه (باختصار شديد) هي التوقيتات الزمنية  للإدارة المالية التي غالباً ما يشار اليها في وسائل الاعلام المحلية والتي تمثل المحطات القانونية التي تقف عندها كل مرحلة من مراحل اعداد الموازنة، وبما اننا الان في النصف الثاني من الشهر الرابع (لغاية كتابة هذه الورقة)  اي اننا على ابواب دخول الشهر الخامس من عام ٢٠٢٢ فان على الحكومة الان ان تكون منشغلة بإعداد موازنة  2023 ( على الاقل هذا ما يجب ان يكون وفق التوقيتات القانونية والدستورية ) ولعل اعدادها والاهتمام بها هو فعلاً ما يجب ان يكون في اعلى اولويات الحكومة بكل طبقاتها ومستوياتها السياسية، خصوصاً  في ظل التوقعات المتشائمة للمرحلة القادمة، وما قد تسفر عنه  الحرب الروسية – الاوكرانية والتي قد تشهد في نهاية الازمة تهاوى اسعار النفط كما اشارت لذلك العديد من الدراسات والتوقعات العالمية، مع ملاحظة ان ارتفاع اسعار النفط مؤخرا سارع من وتيرة التركيز على الطاقة النظيفة كبديل فعلي وحقيقي عن الطاقة الأحفورية، لتسارع في الدفع نحو تعاظم حصتها من سوق الطاقة للمرحلة القادمة،

 ومن ناحية اخرى فاننا حتى لو افترضنا ان موازنة 2022 تامة وجاهزة في وزارة المالية، فاذا ارسلت الى مجلس الوزراء الان فستستغرق مناقشتها ربما على الاقل شهر اي انها سترسل الى مجلس الوزراء في الشهر السادس لتناقش بعد ذلك في مجلس النواب وقد تستمر لأكثر من شهر لتأخذ بعد ذلك طريقها الى رئاسة الجمهورية لغرض المصادقة، وبعدها الى وزارة العدل للنشر في جريدة الوقائع العراقية، وهذا ايضاً قد يستغرق شهراً كاملاً (كل ذلك على افتراض ان تلتزم كل جهة بتوقيتاتها القانونية)  وبذلك فأننا سنشهد بداية تنفيذ الموازنة في الشهر الثامن على الاقل ، وهنا فان بإمكان اي متابع ان يسأل  هل تتمكن المؤسسات الحكومية بكل تشكيلاتها في اربعة اشهر فقط تنفيذ مشاريعها تم الاعداد لها في سنة كاملة ؟؟؟ !!! وعند ذاك سنعود مرة اخرى لإعادة الاموال الى وزارة المالية دون الاستفادة منها في مشاريع وعمل حقيقي او ستعمد هذه الدوائر وهذه المؤسسات الى حرق الموازنة كما هو معروف في الادبيات الاقتصادية وبذلك سيكون مصير هذه الاموال هو الهدر والانفاق غير المبرر لتستقر في نهاية المطاف في جيوب الفاسدين، وفي كل الاحوال فان هذه السيناريوهات ستعرقل سير موازنة 2023 التي من المفروض ان يتم الان المباشرة في اعدادها في الشهرين القادمين على ابعد تقدير، فهل يستطيع مجلس النواب العراقي تمرير هذا القانون وهو المنقسم على نفسه والمهدد بسبب خرقه التوقيتات الدستورية بحله والشروع بانتخابات مبكرة ؟؟ وفي ظل الانسداد السياسي الذي تعيشه البلاد الان ارى من الصعب جدا تمرير موازنة 2022 وقد يعتبرني البعض شديد التشاؤم اذا اعتقدت ان هذا الانسداد قد يطال حتى موازنة ٢٠٢٣ في ظل هذه الظروف السياسية المعقدة، وتجب هنا الاشارة الى انه لغرض تسيير الامور المالية في البلاد فأن المؤسسات الحكومية كافة اعتمدت في  اتفاقها نسبة 1/12 اي صرف ما تم اقراره في موازنة 2021 وهذا يدخل البلاد في ازمة مالية واقتصادية معقدة جدا ولغرض تجاوز هذه الازمة الصعبة ارى ان يقوم مجلس النواب بالمصادقة على الاحتياجات الاضافية للمؤسسات لهذا العام وفق استثناء في الصرف، ولا يخفى المشاكل التي قد تواجه هذه العملية من فساد وهدر في المال العام ولكن هذا الخيار المر له ما يبرره، وبخلافه سيدخل العراق في ازمة اقتصادية كبيرة وخطيرة قد تخرج عن السيطرة.

وفي الختام فان اهمال اقتصاد البلاد او الاستخفاف به سيقودنا حتماً الى مشهد متشابك ومعقد ونتائج لا تحمد عقباها، خاصة أن المجتمعات في منطقة الشرق الاوسط تعاني اصلاً ازمات سياسية واقتصادية، ولا زالت مطمعا للعديد من الدول التي تطمح للاستفادة من خيراتها، وقد لا يكون العراق بعيداً عن مطامع العديد من الدول مثل تركيا او السعودية او غيرها من الدول التي تنظر لأموال العراقيين على انها لقمة سائغة لا يجب تفويتها .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى