«لمختلفين في نعناع النظرة»..بلاغة التكثيف وأفق التصوير الشعري

محمد المسعودي
من يطلع على مجموعة «لمختلفين في نعناع النظرة» للشاعر الليبي محمد القذافي مسعود يلفت نظره ميل الشاعر إلى تكثيف النص الشعري، واتخاذ بلاغة التكثيف منطلقا لكتابة نصوصه. وتُسهم هذه البلاغة بقسط وافر في تشكيل الصور الشعرية، ووسمها بميسم خاص، كما أنها تؤدي دورا حيويا في بناء دلالات النصوص وإشاراته الرمزية. ومن ثم ستعمل هذه القراءة على تجلية مدى اشتغال بلاغة التكثيف في بناء النصوص، وإبراز جماليتها، ومدى قدرتها على بناء دلالات النص الشعري وأبعاده الرمزية.
في مجموعة نصوص قصيرة يسميها الشاعر «قصائد» نلفي بلاغة التكثيف حاضرة بقوة وتؤدي دورا فعالا في بناء عوالم شعرية متخيلة من خلال صور فنية مختلفة. يقول محمد القذافي مسعود في أحد هذه النصوص:
«ذات آهـة
أبعد من نجـم
في أقصاي
اشتهيتُ طعم التـراب».
يتشكل هذا النص من صورة واحدة تبني رؤيته وتصنع دلالته. يُشخص الشاعر عمق معاناته وشدة ألمه من خلال الآهة البعيدة الغور، التي تهز دواخله إلى درجة اشتهاء طعم التراب، والرغبة في الفناء. ويحضر النفس الصوفي في هذا النص المكثف عبر التعبير عن هذه الرغبة الملتبسة في النفس الإنسانية بين التوق إلى السمو والعلو (استدعاء النجم البعيد) والرغبة في الركون إلى الثبات واليقين: يقين الفناء في المحبوب والارتباط به (اشتهاء طعم التراب). وبهذه الصورة الدالة، وعبر بلاغة التكثيف يقول الشاعر هذه المعاني في إشارات مختزلة ولمحات خاطفة. وعبر هذه الصورة المكثفة والمركبة يبني الشاعر رؤيته ويعبر عن ذاته.
ويقول في نص آخر مستدعيا صورة أخرى مشخصا ألمه في سواقي ماء تهطل معاناة:
«فكل غيمة وإن احتضرت
لن تهطل كسواقي ألمي».
وفي هذا النص المكثف يحضر هذا التقابل بين الفناء والموت، وبين الارتفاع والسمو، ونرى أن الموت بدلالته الروحية هنا يحول شدة الألم إلى حالة شعرية رائقة، من خلال ربطها بالماء وارتباطه بالحياة لا الموت. وبهذه الشاكلة نجد هذه الصورة الشعرية تتميز بالطزاجة والابتكار وتتمكن من ترجمة عمق إحساس الشاعر بفداحة ألمه ومعاناته، وهي تكتنز نفحة صوفية ورومانسية جلية.



