يوم المسرح… كوابيس الزمن ويقظة الملحمة
صبحي حديدي..
الهيأة الدولية للمسرح، المنظمة العالمية للفنون الأدائية، وقع اختيارها هذه السنة على مخرج المسرح والأوبرا الأمريكي بيتر سيلرز لكتابة الكلمة السنوية المعتادة التي تحتفي باليوم العالمي للمسرح، 27 آذار (مارس) من كلّ عام؛ وسبق للمصرية الراحلة فتحية العسال أن كتبتها سنة 2004؛ وقبلها السوري الراحل سعد الله ونوس، سنة 1996؛ وأمّا الأوّل فكان الفرنسي جان كوكتو، 1962؛ والسنة الماضية،2021، تولت المهمة البريطانية هيلين ميرين.
ولم يكن غريباً أن يبدأ سيلرز كلمته بالتوقف عند حدث الاجتياح الروسي في أوكرانيا، معتبراً (حسب الترجمة العربية الرسمية على موقع الهيأة) أنّ «عالمنا اليوم معلّق بالساعة وبالدقيقة على موجز الأخبار اليومية وكأنه يتمّ تغذيتنا بالتنقيط»؛ وإنْ لاح جديداً، وربما مستغرَباً في يقين هذه السطور، أنه تالياً دعا المبدعين إلى الدخول في منظور خاصّ لـ»هذا الزمن الملحمي والتغيير الملحمي والوعي الملحمي والانعكاس الملحمي والرؤية الملحمية». ذلك لأننا، حسب رأيه، «نعيش في فترة ملحمية من تاريخ البشرية، نتجت عنها تغييرات عميقة في علاقات البشر مع أنفسهم ومع بعضهم البعض ومع العوالم غير البشرية»، وتلك «تغييرات تكاد أن تتجاوز قدرتنا على الفهم والتعبير والتحدث عنها».
الأرجح أنّ عناصر مثل جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا وأشباح الأزمات الراهنة والمقبلة على أصعدة شتى سياسية واقتصادية وبيئية، ليست وحدها وراء انحياز، أقرب إلى التلهّف والمناشدة، نحو الملحمية متعددة الأوجه والتعبيرات والمستويات؛ خاصة حين تأتي الدعوة من هذا المسرحي تحديداً، الإشكالي إنْ أخرج قطعة أوبرا من موتزارت أو مسرحية من إسخيلوس. وليس مستبعداً، في المقابل، أنّ وطأة التاريخ عادت إلى الهيمنة على الفنون، جمعاء كما يجوز للمرء أن يجازف بالملاحظة؛ ويندر أن تكون عودة كهذه متخففة من حسّ الملحمة أو قادرة أصلاً على تفادي اعتناق إغراءاتها.
وضمن هذا المعنى قد تُفهم استطرادات سيلرز صوب تساؤل مثل التالي: «أين هي اللغة، وما هي الحركات والصور التي قد تسمح لنا بفهم التحولات والتمزقات العميقة التي نمرّ بها؟ وكيف يمكننا أن ننقل مضمون حياتنا الآن ليس كريبورتاج صحفي بل كتجربة؟». أو صوب إقرار جارح مثل هذا: «هنالك الكثير من الناس ممن يعيشون على حافة الهاوية، ويشتعل الكثير من العنف بشكل غير منطقي وغير متوقع، وتمّ الكشف عن العديد من الأنظمة الراسخة على أنها هياكل للقسوة المستمرة». أو، ثالثاً، إصراره على ملحمية المسرح: «إنّ مسرح الرؤية الملحمية والغرض الملحمي والتعافي الملحمي والإصلاح الملحمي والرعاية الملحمية يحتاج إلى طقوس جديدة. لسنا بحاجة إلى الترفيه، بل إلى التجمع ومشاركة الفضاء الواحد، نحن بحاجة إلى إنشاء فضاء مشترك ومساحات محمية للاستماع العميق والمساواة».



