اراء

الوجود التركي في العراق.. أرقام وحقائق صادمة

 

بقلم/عادل الجبوري..

 

على امتداد أعوام طويلة، لم يتوقف الجدل والسجال في الأوساط والمحافل السياسية العراقية، وكذلك الخارجية المعنية بالشأن العراقي، بخصوص طبيعة الوجود التركي في شمال العراق ومبرراته وحجمه وأهدافه، وما يمكن أن يترتب عليه من آثار وتبعات على المديين المتوسط والبعيد، في بلد طحنته الصراعات والحروب الداخلية والخارجية طيلة عقود من الزمن، وتجاذبته – وما زالت – الأجندات والمشاريع الدولية والإقليمية المتقاطعة مع بعضها البعض.

وفقاً للصورة الإجمالية العامة، يمكن تحديد جملة أهداف للوجود التركي بطابعه السياسي والأمني والعسكري والاجتماعي؛ جزء منها تصرح به أنقرة وتؤكده، وجزء آخر يقول به ويفترضه الآخرون، سواء من أصدقائها وحلفائها أو خصومها وأعدائها.

ومن هذه الأهداف:

– صون الأمن القومي التركي المهدد من قبل حزب العمال الكردستاني التركي المعارض (P.K.K)، الذي تتمركز معظم تشكيلاته العسكرية منذ أكثر من 3 عقود في جبال قنديل، عند المثلث الحدودي العراقي – التركي – الإيراني. تمثل تلك المنطقة منطلقاً رئيسياً للحزب لتنفيذ عملياته العسكرية في العمق الجغرافي التركي، مستفيداً من جملة عوامل وظروف جغرافية وفنية ولوجستية وسياسية.

– السعي لاستعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية بعد 100 عام من انهيارها وزوالها، والمؤشرات على ذلك واضحة، من خلال سياسات التوسع في كلِّ الاتجاهات، التي أخذ يتبناها الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، والتي تروج لها الأوساط والمحافل السياسية ووسائل الإعلام التركية بشكل كبير جداً.

وبينما يحرص إردوغان على تأكيد عدم وجود مطامع توسعية لدى أنقرة في المنطقة، تستمر بلاده في محاولة التمدد والسيطرة براً وبحراً على حد سواء، ومخطط “الوطن الأزرق” دليل واضح على ذلك. وما يُقصد به هو “الهيمنة على المنطقة الاقتصادية الخالصة على المياه الإقليمية المجاورة والجرف القاري لشرق البحر الأبيض المتوسط والبحر الأسود وبحر إيجة”.

– حماية المكون التركماني العراقي الذي يتمركز ثقله الاجتماعي الأكبر في محافظة كركوك الغنية بالنفط المتنازع عليه بين العرب والكرد والتركمان. ترى أنقرة أن هذا الهدف مبرر، وهو في نظرها.

– تحقيق التفوق الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط، بما يتيح لتركيا أن تصبح لاعباً دولياً فاعلاً ومؤثراً، ليس في المعادلات الإقليمية فحسب، إنما في المعادلات الدولية أيضاً. هذا الهدف يتوافق ويتواءم مع هدف استعادة أمجاد الإمبراطورية العثمانية.

ولعل الخلافات والصدامات الحادة بين أنقرة من جانب، وعواصم عربية وإقليمية، مثل القاهرة والرياض وأبو ظبي، من جانب آخر، يعكس بشكل أو بآخر طبيعة الطموحات التركية المتنامية وجوهرها، والنزعة الواضحة إلى التوسع والهيمنة والنفوذ في شتى الاتجاهات.

إضافةً إلى ذلك، إن تأسيس منظمة الدول التركية في العام 2009 كتكتل اقتصادي إقليمي يضمّ مجموعة الدول الناطقة باللغة التركية، وبرعاية أنقرة وإشرافها، يعكس أيضاً جانباً من طموحات الأخيرة ومطامعها ونزعاتها.  

ولا شكَّ في أن العراق يعدّ في مقدمة الدول التي تضع تركيا نصب عينيها هدف التمدد فيها، إذ إنها تجد أن الكثير من العوامل والظروف والدوافع التاريخية والجغرافية والسياسية والاجتماعية تساعد وتساهم في ذلك. وربما مع مرور الوقت، تتعدد وتتنوع أساليب ووسائل التدخل والوجود التركي في العراق، وهو ما يمثل مبعث قلق متزايد لدى أصدقاء أنقرة وحلفائها، ناهيك عن خصومها ومنافسيها وأعدائها، ولا سيما ما يتعلق بطبيعة وحجم وجودها العسكري والأمني الكبير في شمال العراق الخاضع لسلطة الأحزاب الكردية.

ويُقدّر عدد العسكريين الأتراك (ضباط وجنود)، الموجودين في تلك القواعد والمعسكرات، بأكثر من 7 آلاف عنصر يتحركون بمساحات جغرافية واسعة تصل إلى حوالى 100 كلم في عمق الأراضي العراقية. وإضافةً إلى القواعد والمقرات العسكرية، ينشط جهاز الاستخبارات التركي (MIT) على نطاق واسع في إقليم كردستان. وبحسب التقارير، هناك 4 مقرات رئيسية له في كلٍّ من العمادية وماتيفا وزاخو وكاراباسي في مركز مدينة دهوك.

وبما أنَّ أنقرة ترى أنَّ الاقتصاد يمثّل أحد أهم وأبرز مرتكزات وأسس التوسع والتمدّد، فإنها لم تكتفِ بتكريس وجودها العسكري والاستخباراتي في العراق وترسيخه، إنَّما راحت تعززه بحضور اقتصادي في مجال الاستثمارات النفطية، إذ يعمل عدد من شركات النفط التركية في 8 حقول في إقليم كردستان.

ووفقاً لمصادر إعلام كردية، تملك شركة “كنل إنيرجي” حصصاً، وبنسب مختلفة، في البلوكات النفطية في الإقليم، فهي تملك 25% في بلوك طاوكي، و40% في بلوك بيربهر، و40% في بلوك دهوك، و44% بلوك بناوي، و44% في بلوك طقطق، و75% في بلوك ميران، و60% في بلوك جيا سورخ.

وتبقى القضية الجوهرية والمهمة: هل يستطيع العراق كبح جماح الاندفاع التوسعي التركي تجاهه؟ وماذا عن تبعاته وآثاره وتداعياته المستقبلية؟ وثمة تساؤلات أخرى ملحّة أيضاً تحمل بين طياتها وثناياها هواجس مقلقة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى