“النفس الزكية”..أهم حركة مسلحة قامت في زمن الدولة العباسية

تعد حركة محمد بن عبد الله النفس الزكية من أهم الحركات المسلحة التي قامت في زمن الدولة العباسية، وذلك لما رفعته من شعارات وأهداف أدت إلى جمع العديد من الأنصار والمؤيدين لها، لذلك كان لهذه الحركة صداها في التاريخ الإسلامي.
في الوقت نفسه أن أي حركة تظهر مضادة للدولة لابد أن يكون لها جانب من الأسس التي تقوم عليها حتى تستطيع أن تجذب الأنصار إلى جانبها، لذا فإن البداية الصحيحة لتناول ابرز السمات حركة محمد بن عبد الله الا وهي التركيز في خطاباته على الفكرة المهدوية اولاً وعودة السلطة الى اصحابها الشرعيين ثانياً. والعدل في التوزيع العادل للأموال ثالثاً.
لقد ركز محمد على هذه الفكرة كثيراً في خطاباته وأنه المهدي والمُخلص من الظلم وجور العباسيين إذ يقول في خطبةٍ : ” إنكم لا تشكّون أني أنا المهدي وأنا هو” على اثر ذلك اجتمع السادات الحسنيّون مع جماعة من كبراء العباسيّين، وبايعوا “النفس الزكيّة” على أنه مهديّ الأمّة. ثمّ استدعوا الإمام الصادق “عليه السلام” باعتباره زعيم بني هاشم، وطلبوا منه أن يبايع هو أيضاً. ولكن الإمام “عليه السلام” قال لهم: ما هو هدفكم من وراء هذا الأمر؟ إذا كان محمّد يريد القيام بعنوان أنه مهديّ هذه الأمّة، فإنّه مخطئ في ذلك.
وقد لعبت هذه الفكرة دوراً مهماً في جمع أكبر عدد من الأنصار والمؤيدين لمحمد، خاصة أن فكرة المهدي تقوم على إنهاء الظلم والجور وتحقيق العدل ونشر الخير والسلام في الأرض وإعادة الحقوق إلى أصحابها، فوجد به الفقراء والمساكين والذين يشعرون بالظلم شخص المخلص لما هم فيه.
نجد في اغلب المصادر التاريخية التي تناولت حركة محمد بن الحسن تؤكد السبب الذي دفع بـ ـ”محمد بن عبد الله” لقيادة المقاومة ومجابهة الحكم العباسي هو انحراف السلطة السياسية ومطالبته بإعادة الحق لأصحابه، وقد أشار في احدى خطبه الى الدوافع التي أدّت الى خروجه حيث يقول”… وان أحق الناس بالقيام بهذا الدين أبناء المهاجرين الأولين والأنصار المواسين اللهم إنهم قد أحلوا حرامك وحرموا حلالك وآمنوا من أخفت وأخافوا من آمنت اللهم فأحصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا …”.
ان احلال العدل بين الرعية ترك اثراً مهما في مشروعية الحكم، وذلك ان الكثير من الحركات والثورات والانتفاضات المسلحة التي خرجت على السلطة تتخذ العدل أساس الحُكم من اجل ذلك كان محمد بن عبد الله يركز على هذا المبدأ، وان السلطة العباسية كانت تخالف الكتاب والسنة ولذلك قال محمد بن عبد الله في احدى رسائله الاولى الى المنصور العباسي:”﴿ طسم(1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ(2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَإِ مُوسَىٰ وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ(4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ(6)). ثم قال :”وانما خرجتً لأريح الأمة من ظلمكم وخروجكم وتعديكم”. اما في خصوص التوزيع العادل للأموال كان يحث في اغلب خطاباته على انفاق الاموال والتوزيع العادل للفيء، مخاطبا المحتاجين:” أن لكم حقاً عند رجل ها هنا – يقصد به المنصور- وان أعانني عليه هؤلاء أخذت لكم حقكم فأغناكم …”.
اما موقف الامام جعفر بن محمد الصادق من حركة محمد بن عبدالله النفس الزكية، فقد كان آثر الابتعاد عن الحياة السياسية وعدم تأييده لأية حركة سياسية ، ولعل من بينها حركة محمد النفس الزكية، اذ كان موقفه واضحاً منذ البداية من خلال رؤيته المستقبلية للواقع السياسي ، فنصح عبد الله المحض بعدم أشغال ولديه في السياسة لما يترتب عليه من قتلهما وتتبع انصارهما ومؤيديهما بالقتل والتشريد بقوله:” وان هذا يقتله على احجار الزيت، ثم أخاه بعده بالطفوف، وقوائم فرسه في الماء”.
وبفشل الحركة حزن الامام الصادق “عليه السلام” لما آلت اليه الامور من ظلم المنصور بأنصار محمد بن عبد الله وزجهم في السجون فكتب الامام كتاباً يعزي فيه عبد الله بن الحسن على مقتل ولديه جاء فيه :” بسم الله الرحمن الرحيم الى الخلف الصالح والذرية الطيبة من ولد أخيه وابن عمه، اما بعد … انفردت بالحزن والغبطة والكآبة وأليم وجع القلب دوني ، فلقد نالني من ذلك الجزع والقلق وحر المصيبة مثلما نالك ولكن رجعت الى ما أمر الله جل جلاله به المتقين من الصبر وحسن العزاء حيث يقول لنبيه فاصبر لحكم ربك فانك بأعيننا”.



