روسيا في أفريقيا.. تمدّد في مساحات الأطلسي

بقلم/محمد حسب الرسول..
تربط بين روسيا والدول الأفريقية علاقات صداقة تقليدية اجتازت امتحان الزمن، فقد لعب هذا البلد دوراً مهماً في تحرير القارة الأفريقية عبر دعمه لنضال شعوبها ضد الاستعمار والعنصرية والتمييز العنصري، وفيما بعد قدّم دعماً للأفارقة في الدفاع عن استقلالهم وسيادتهم وتكوين البنيان المؤسّساتي للدولة، ووضع أسس الاقتصاد القومي، وتشكيل القوات المسلحة ذات القدرة القتالية، كما قام الخبراء السوفيات وبعدهم الروس بتشييد منشآت مهمة للبنى التحتية، بما فيها المحطات الكهرومائية والطرق والمصانع، وتلقّى آلاف الأفارقة تدريباً مهنياً عالي الجودة في المعاهد والجامعات الروسية.
العديد من الزعماء المعاصرين للبلدان الأفريقية يتذكرون ذلك جيداً ويقدّرون هذا الدعم. لا ننسى هذه الصفحات من هذا التاريخ، إذ يعتبر تطوير وترسيخ علاقات المنفعة المتبادلة مع الدول الأفريقية ضمن أولويات السياسة الخارجية لروسيا الاتحادية. بهذا الحديث استقبل الرئيس فلاديمير بوتين أكثر من أربعين قائداً أفريقياً من رؤساء الدول والحكومات، لبّوا دعوته إلى المشاركة في القمة الروسية الأفريقية التي احتضنتها مدينة سوتشي الروسية في الـ24 من تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2019.
وقد ربط بوتين في حديثه هذا تاريخ العلاقات السوفياتية الأفريقية بحاضر ومستقبل علاقات القارة السمراء بروسيا، في ظل مناخ دولي وإقليمي يحتدم فيه الصراع ويشتد فيه التنافس في أفريقيا على مواردها الطبيعية وثرواتها وأسواقها وموقعها الجيوستراتيجي، ويعتبر كل ذلك من المزايا التفضيلية للقارة الأفريقية التي احتكرها الغرب وفرض احتكاره لها بالإكراه على مستعمراته طوال حقبة الاحتلال التي انقضت، وحقبة الاستقلال التي تحققت لدول هذه القارة، وحان الآن وقت استثمار ثرواتها هذه لصالح إنسان هذه القارة، ولتحقيق كرامته ورفاهه ومستقبله.
لم يصبح النفوذ الأميركي قدراً خالصاً في أفريقيا رغم مساعي أميركا الحثيثة وجهودها الكبيرة، فقد دخلت كل من الصين وروسيا إلى المسرح الأفريقي، وبذلت كل دولة منهما جهوداً مضنية وكبيرة من أجل الحصول على نصيب من مزايا أفريقيا و(عطاياها)، فأصبحت الأخيرة محط اهتمام الدولتين، فجعلتها الصين في مقدمة أولويات مشروعها الاستراتيجي المسمّى الطريق والحزام، وعكست القمم الصينية الأفريقية المكانة الاستراتيجية لأفريقيا في رؤية الصين المستقبلية. وقد يسّرت سياسة الصين القائمة على عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول مهمتها في الحصول على مواقع لها في مختلف أنحاء القارة، وعزّزت سياساتها الاقتصادية القائمة على الشراكة في المشروعات التنموية المختلفة هذا الوجود الذي سيتطور إلى نفوذ سياسي، مع تطور هذه الشراكات التي عالجت أزمات وخاطبت تحديات كانت تقف حجر عثرة أمام الدول والشعوب الأفريقية.
وفي دولة تشاد المجاورة لدولة أفريقيا الوسطى، بدأت روسيا مساعيها وجهودها الرامية إلى تعزيز دورها في هذه الدولة التي كانت شؤونها كما مواردها حقاً حصرياً وتاريخياً لفرنسا قبل أن تنافسها أميركا خلال العقدين الأخيرين، ويجيء دخول روسيا إلى المسرح التشادي منافساً للنفوذ الفرنسي والنفوذ الأميركي في آن واحد. ومن مظاهر الوجود والدور الروسيّين في تشاد العلاقة التي ربطت روسيا، عبر شركة فاغنر، بمنظومات المعارضة التشادية، الأمر الذي حمل وزير الخارجية التشادي على اتهام فاغنر بتدريب قتلة الرئيس إدريس ديبي.
وفي دولة مالي أسّست روسيا علاقات وثيقة في السنوات الأخيرة مع السلطات المالية، وعزّزت علاقات البلدين عبر توقيع اتفاقية تعاون في الدفاع عام 1994، وأعيدت مراجعتها عام 2019. وفي إطار تنفيذ هذه الاتفاقية، قامت روسيا بتدريب قادة الجيش المالي، وقدمت دعماً عسكرياً في إطار صفقة معدات عسكرية وقّعها الطرفان في كانون الأول/ ديسمبر، وقد تطوّر الموقف السياسي المالي من الوجود الغربي فيها، حيث قامت السلطات المالية بطرد السفير الفرنسي، وحظرت تحليق الطائرات العسكرية الألمانية في أجوائها.
ورغم النجاح النسبي الذي تحقق لروسيا في أفريقيا خلال هذين العقدين، والذي جعلها حاضرة ومؤثرة في أهم دول القارة الأفريقية من البحر الأحمر شرقاً إلى البحر الأبيض المتوسط شمالاً، حتى المحيط الأطلسي غرباً، ورغم ما حظيت به من فرص للتأثير والنفوذ السياسي، وفرص للاستثمار الاقتصادي في مجالات الطاقة والمعادن وغيرها، ورغم القدرة التي اكتسبتها للتأثير في العمليات العسكرية الجارية في بعض الدول الأفريقية وما نتج عنها من مكاسب تصبّ في مصلحة توجهاتها، إلا أن هذا النجاح النسبي الذي تحقق لها يضع أمامها تحدّياً كبيراً، وهو تحدّي المحافظة على هذه المكاسب وتطويرها وضمان استدامتها في ظروف إقليمية ودولية سريعة التغيّر وبالغة التعقيد.
ولعلّ الحرب الروسية الغربية في أوكرانيا تُعقّد على روسيا أمر استجابتها لهذا التحدّي، بسبب انشغالها بهذه الحرب، وبسبب منافستها للغرب في مناطق نفوذه التاريخية، وعلى روسيا الانتباه إلى أن وجودها في أفريقيا بصفة عامة وفي غربيّها بصفة خاصة يضعها في حالة تماس مع حلف الأطلسي، في الساحل الشرقي للمحيط الذي منح اسمه لهذا الحلف، وهو تماس يمسّ عصب الأمن القومي لهذا الحلف.



