السودان.. مرجل الغليان الذي لا يهدأ

بقلم/محمد المحجوب..
يعيش السودان منذ 3 سنوات في دوامة مستمرة من التظاهرات والإضرابات والاضطرابات. كرّ وفرّ يمتد على ساحات العمل العام. أسماء تظهر وأخرى تختفي بسرعة. وساطات تمدّ ومبادرات تمتدّ، ولا حلّ يظهر في الأفق، وما يطرح من حلول يجد المعارضين قبل المؤيدين… فما السبب، ولمَ لا يهدأ السودان؟
ماذا يحدث، حسناً ماذا حدث أولاً؟
حسناً، مما لا ملل منه التذكير بثنائيات الأمور في السودان، ثنائيات قطبية تصنع حقلاً ممغنطاً من الجاذبية والانحياز: وطني وأمة، إخوان وشيوعيون، مدنيون وعسكريون، غرب وشرق، بل وحتى هلال ومريخ!
هذه الثنائيات لطالما تلاعبت بمصير السودان، بدءاً من عصر الحكم الاستعماري، مشكّلة حاجزاً أمام أي تفكير بتجديد المسرح السياسي في السّودان، حتى الثنائية التاريخية في علم السياسة والأيديولوجيات من يمين ويسار لا تنطبق بمفهومها المجسم على السّودان. ولأنّ “البنية التحتية”، بكلمات كارل ماركس، للمجتمع في السودان هي بنية قديمة عصية على التغيير إلا باللتي واللتيا، فالفشل سيكون مصير كلّ الأفكار المستوردة من دون إضفاء نوع من “السودنة” عليها.
أزمة سياسية أيضاً، فالأزمات لا تنتهي
الحديث عن الأزمة الراهنة يكاد يكون تاريخ السودان المعاصر، فمنذ اللحظة الأولى كانت هناك أزمة راهنة، حتى ما قبل رفع العلم والجلاء. هناك في أقصى الجنوب، اندلع التمرد في 1955م، احتجاجاً على “خيانة” داخلية في البرلمان لتفاهم أدى بنتيجته إلى موافقة النخب الجنوبية للاستقلال عن الحكم الاستعماري.
منذ تلك اللحظة البعيدة بعمر السنين، منذ 70 عاماً، ما زالت هناك أزمة “راهنة” في وطن “رهينة” حسابات سياسية “مرهونة” بتوافقات معقدة متقاطعة داخلياً/خارجياً، محلياً/إقليمياً، توافقات تذكر بالثنائيات المذكورة آنفاً، راسمة بذلك حقل ألغام سياسياً شديد الحساسية، ألغام انفجرت حتى بوجه واضعيها في أحيان ما. ولزيادة الأسى، لا دليل لعبور الحقل بعد.
فليأتِ القادمون إذاً، لنرى ماذا بجعبتهم؟
بالعودة إلى القادمين الجدد، أدى هؤلاء دوراً محورياً في المفاوضات برغم حداثة عهدهم منذ اللحظة الأولى في كل ملاعب المفاوضات، تلك في الخرطوم، أو في أديس أبابا عاصمة إثيوبيا الجارة الغامضة، أو القاهرة الجارة الأخرى الكبرى التي لا تغفل عينها عن السودان، بل ولا يجلس حاكم، ولو مؤقت، على عرش السودان من دون رضاها أو على الأقل علمها.
فشل جديد.. هل ييأس القادمون؟
حتى كتابة هذه السطور، وعقب زيارة قائد الجيش ورأس السلطة الحاكمة إلى الإمارات، تجري مفاوضات حثيثة سرية تكشفت بعض ملامحها في شكل إشاعات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بين السلطة الحاكمة وحمدوك مجدداً.
الجديد هذه المرة، وبحسب الإشاعات، حضور القادمين الجدد برموزهم الحقيقية هذه المرة، لدعم الوساطة وإنجازها بأي ثمن، مثل رجل الأعمال السوداني/الإنكليزي السبعيني المخضرم، وأحد الوجوه المعروفة في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات والداعم لليبرالية في السودان، محمد “مو” إبراهيم، الذي يوصف بأنه “محمد الفايد” النسخة السودانية، إضافةً إلى سياسيين من التيار الليبرالي نفسّه، والذين توجهوا مسبقاً إلى الإمارات سراً للتجهيز لتلك المفاوضات.
ولا تذكر واشنطن من دون ذكر “غواصتها” المتوغلة في عمق المنطقة، الوكيل الصهيوني الهزيل، الَّذي يئس من دون إقرار استسلامه من تمرير تطبيع سريع في السودان، بل بات بعض مهووسيه المتطرفين يحلمون بـ17 أيار سوداني، للتفرغ للمواجهة القادمة مع كل من الجزائر وسوريا، ومناورات إثيوبيا التي لا تمانع مقايضة “دعمها” الثورة وتطلعات الشعب مقابل تمرير مشاريعها الطموحة، وهي مشاريع لا تراها مصر؛ القطب الآخر على أطراف المغناطيس الشرق أفريقي، إلا كابوساً ممنوع التحقيق، وهي التي ترى السودان في عين الجيوسياسة القطعة الأهم في مجالها الحيوي.
كلّ هذا وأكثر وأخطر يحدق بالعمليّة السّياسية في السودان، ويهيج الحشود التي لا تهدأ، ويفشل المبادرات قبل أن تطرح. ولا يزال القادمون الجدد، الذين ليسوا في واقع الأمر سوى الطبقة الليبرالية ذاتها التي لم تحسن يوماً اعتلاء السلطة في السودان لاعتبارات عديدة يصعب شرحها من دون الخوض في سرد تاريخي مطول مستفيض، جيل جديد إذاً من تينك الطبقة، لكنَّ لفظَ “جديد” هنا لا يعني بالضرورة الشباب، بل وللدهشة، بعض لاعبي هذه الطبقة يكتبون تاريخ السودان في محك مفصلي، وللمرة الثالثة!
أيام عصيبة، وأزمات قريبة، وتحركات غريبة، تمر في القريب من مقبل الأيام، وسط تراكم الخطابات وتزاحم الاتهامات، وفي ظل موقد مشتعل بالمعاناة، يسخن من فوقه السودان؛ المرجل الذي يغلي باستمرار ولا يهدأ.



