اراء

هل يستغلّ الخليجيون أزمة أوكرانيا للاستفادة من واشنطن؟

 

بقلم/عباس الجمري..

 

في الأيام الماضية، ورغم انشغال العالم باحتدام المعارك في أوكرانيا، والتي يعلم الجميع أنها بين روسيا والناتو، وليست بين روسيا وكييف، فإنَّ قادة خليجيين سعوا لاستثمار هذه الفرصة إلى أقصى حدّ يمكنهم الوصول إليه.

وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية يوم الثلاثاء 8 مارس/آذار الجاري أنَّ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وولي العهد الإماراتي محمد بن زايد رفضا الرد على مكالمة للرئيس الأميركي جو بايدن. وقد نفت المتحدثة باسم البيت الأبيض جين ساكي وجود مكالمة مرفوضة من الأصل، وجاء المؤتمر الصحافي بعد يوم من نشر الخبر.

وبحسب الخبر، كان موضوع المكالمة زيادة إنتاج النفط للتعويض عن النقص الذي سيخلفه قرار الرئيس الأميركي بحظر استيراد النفط والغاز من روسيا. ورغم أن الخطوة، من حيث الدلالة الاقتصادية، رمزية بالنسبة إلى روسيا، فإنَّ دلالتها السياسية ليست بالحجم نفسه، وخصوصاً إذا كان هذا الحظر مقدّمة للضغط على الأوروبيين للقيام بالخطوة نفسها أو على الأقل التخفيف من الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية.

في المقابل، صرّح سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة يوم الأربعاء 9 آذار/مارس أنّ بلاده تفضّل زيادة الإنتاج. ونشرت وكالة الأنباء الرسمية الإماراتية “وام” في اليوم التالي تصريحاً لوزير الطاقة والبنية التحتية سهيل المزروعي، قال فيه: “إنَّ دولة الإمارات تؤمن بالقيمة التي تقدمها “أوبك+” لسوق النفط العالمي، إذ لا يوجد أي اتفاق لزيادة الإنتاج بشكل منفرد خارج اتفاق “أوبك+”، في ظلِّ دعم دولة الإمارات المتواصل لجهود التحالف النفطي والتزامها بهذا الاتفاق”، وهذا التذبذب له دلالاته التي قد نتعرض لها في مطاوي هذا المقال.

كما أنَّ لولي العهد الإماراتي مطالب تتعلَّق بتأمين بلاده من الضربات الصاروخية التي يقوم بها اليمنيون بين فترات متقاربة، وخصوصاً في الآونة الأخيرة، حين دخلت أبو ظبي بشكل واضح وكثيف في الضغط على جبهة مأرب. إضافةً إلى كلّ ذلك، هناك تخوّفات مشتركة من إحياء الاتفاق النووي الإيراني. لذلك، يطالب القائدان الخليجيان الحليف الأميركي بما أسمياه ضمانات أمنية تضمن أمنهما في حال رجوع طهران إلى المسرح الدولي من دون حظر أو عقوبات.

دلالة التمنّع الخليجي المزعوم

لم يتحدَّث الخلجيون عن الأزمة في أوكرانيا، ولم ينتقدوا صراحة العملية العسكرية لروسيا، رغم الضغط الأميركي، وبدرجة أقل الضغط الأوروبي. وقد قُرئ الأمر في بداية تشكل المواقف العالمية والعربية على أنه محاولة لضبط الإيقاع بين القوى الكبرى، بينما ثمة ما يخبئه وليا العهد السعودي والإماراتي بشأن مصالحهما التي قد تختلف في بعض تفصيلاتها، لكن تتّفق في محاولة التخلص من الساحة اليمينة بطريقة مشرّفة والحصول على ضمانات أمنية، وربما سياسية، بعد إحياء الاتفاق النووي مع إيران.

هذا التفسير يرى أنَّ الحالة الخليجية هي الأقرب إلى حالة كهذه لعدة أسباب:

هذه الأنظمة صمّمها البريطانيّ بطريقة ذكية جداً، بحيث لا تستطيع أن تعتمد على نفسها. وضمن الأمثلة على ذلك القطاع الأمني، سواء على مستوى الداخلي في هذه البلدان أو الخارجي، بحيث لا تخرج المنظومة الأمنية، سواء سابقاً أو حالياً، عن هندسة القوى المهيمنة، سواء في طريقة العمل أو هندسة السياسات. والأنكى أنّ الخبراء الأجانب ما زالوا منذ تأسيس هذه الأنظمة وحتى اليوم يشرفون على منظومتهم الأمنية.

–  باتت الدول الخليجية أكثر هشاشة من ذي قبل؛ ففي أيام الشيخ زايد والملك فهد والشيخ جابر الصباح، كانت هذه الدول أكثر رسوخاً في التقليد السياسي، أي أنَّ السمت السياسي الذي كانت تنتهجه كان هادئاً، بحيث كان من الصعب الولوج إلى نقاط ضعفها. أما الآن، فقد باتت مكشوفة، بسبب سياسات متهورة عديدة.

وبناءً عليه، من الصعب على هذه الدول تغيير مشغلها. وإذا كان هذا الخيار صعباً، فخيار الاستقلال عن كلّ مشغل أصعب. وبذلك، فهي تدرك حرج اللحظة، وتفضّل البقاء في بيت الطاعة الأميركي البريطاني الذي يقيها من مدلهمات المجهول.

ترسيخ التبعيّة لواشنطن

من دلائل البقاء تحت المنظومة الأميركية، وعدم تغير أيّ سياسة من سياسات الخليج، ما جاء في مقابلة محمد بن سلمان مع مجلة “ذا أتلانتك” في 3 مارس/آذار الجاري. ورغم اللغة الجافة تجاه جو بايدن كشخص، فإنّ ولي العهد السعودي يؤكد أهمية العلاقة الوثيقة مع الولايات المتحدة.

كما أنّ سؤالاً وُجه إلى وزير الخارجية الأميركية أنتوني بلينكن في مؤتمر صحافي مع نظيرته البريطانية يوم الأربعاء 9 مارس/آذار، عن عدم رد ولي العهد السعودي والإماراتي على بايدن، ردَّ بلينكن بلغة بالغة الدبلوماسية: “علاقتنا جيدة. أتواصل دائماً مع نظيري السعودي، ولدينا أعمال مشتركة وكثيرة“.

لم يكن كلامه للاستهلاك الإعلاميّ، ولعلَّه يريد فعلاً تحقيق تقدم في ملف العلاقة مع إيران. وقد عقدت 4 جولات في بغداد بين وفدي البلدين للتباحث في القضايا العالقة، إلا أنَّ المشكلة تكمن في أن هذه القضايا العالقة ملغومة من الداخل، ويتطلب حلّها أن تظهر السعودية بثوب المخطئ أو المهزوم، وهذا ما يستثقله محمد بن سلمان بشكل كبير، وهناك حديث عن جولة خامسة ستُعقد في بغداد بين الطرفين، لكن لعلَّها ستتأخر بسبب الظروف العالمية الاستثنائية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى