ثقافية

“البدلة البيضاء للسيد الرئيس” رواية عن البقاء في حُـفر الجحيم العراقي

 

 

المراقب العراقي/ المحرر الثقافي…

يرى الأديب البحريني أحـــمَـــد الـمُــــؤذّن أن رواية (البدلة البيضاء للسيد الرئيس)  قد أخـذ كاتبها علي لفتــه سعيـد، بالتوغـل في إشكاليات البعـد الإنساني في أكثر من اتجاه ضمن أحداثها المترعـة بالدهشـة والحلم والقسوة والبقاء في حُـفر الجحيم  التي مــر بها الشعب العراقي طــوال أزمات القرن العشرين.

 وقال في قراءة نقدية خص بها “المراقب العراقي”: أكــثر ما يحمسني لقراءة الأعمال الروائية العربية، تلك التي تُكتب بحرفية عاليـة كما جاءت رواية (البدلة البيضاء للسيد الرئيس) والصادرة عن دار الفؤاد للنشـر والتوزيع المصرية، المكونة من 156 صفحة/ الطبعة الأولى 2021 م فقد أخـذ كاتبها علي لفتــه سعيـد، بالتوغـل في إشكاليات البعـد الإنساني في أكثر من اتجاه ضمن أحداثها المترعـة بالدهشـة والحلم والقسوة والبقاء في حُـفر الجحيم  التي مــر بها الشعب العراقي طــوال تأزمات القرن العشرين ، ليعبـر بين حقول النّار، حيث ألـزم نفسـه وحبــر قلمـه كيما يكتب بصدق ابتغاء مواجهـة مجتمعـه بأخطائـه وما يعتري بنيـته الاجتماعيـة والاقتصادية والقيميـة والسياسية..إلخ من قضايا يعيش هواجسها في تفكيره الفلسفي الناقـد ، قلمـا تجد كاتبـًا يمسك خيــط الكتابة ويدرك حساسية موقعه ورسالته وأي بوصلـة تحكم مشروعـه في نهاية المطاف؟

 وأضاف:  أن الوجع الإنساني شكل من أشكال الضياع المهيمن على متواليات الأحداث، يختزن أرشفـة تاريخية ملعـونة لا خيار للمجتمع العراقي في قبولها أو رفضها حيث هيمنة القرار السياسي وما مثلته سلطة حزب البعث من قوة استبدادية قاهرة لم يكن بوسع الرجال التمرد عليها، فصاروا وقودًا للحرب وهو ما أدى إلى تمثلات رمزية من ذاك العري المفضوح أو المستور في المجتمع. 

وتابع :لا يمكن للقارئ إلا أن يرى الرواية شاهـدة على عـصرها كعمل روائي وثــق لمختلف تحولات المجتمع العراقي إبان الحرب العراقية الإيرانية، مرورًا  بحرب غـزو الكويت وما تلاها من أحـداث عاصفـة مع اطباق الحصار الدولي  بما يتناسب والأجندات الأمريكية التي أرادت آنذاك تدمير مستقبل العراق وهو ما تـم فعـلا، الجميع يعرف بقية التفاصيل وما حصل، لذا فإن الكاتب، وضع في المتـن إشارات تدلل على تدهـور اللحمـة الاجتماعيـة والإنسانية داخل بنية المجتمع العراقي الذي صار يدفع أثمان باهضة من مستقبله وحاضره وأمـنه ورفاهيته وقد أكتوى بديكتاتورية حــزب البعث التي زجت بالعراق في الجحيم حيث تحولت محافظات الجنوب لخزان بشري لا ينضب وبمثابة وقــود للحـرب.

 وبين :ولأن “مدلول” وجد بلده في قلب عاصفة اللعبـة السياسية الدولية فقد عاش الغربة والعزلة في وطنه، أنتقلت إليه عدوى “المكان” الذي يغرق في ذات الغربة والعزلة المنعكسة من الجو المشحون بالموت والفقد والتضحية في سبيل (القائد الضرورة) الذي غامـر بوطنه ليكون مجرد بيدق في أيدي الدول العظمى، هنا لم يكن من ثمـة خيار لينكفىء “مدلول” على ذاته متخندقًا في صمته ملتزمـًا وصايا والده الراحل الذي أراد منه أن يرتدي البدلة البيضاء كتلك التي يرتديها الرئيس، وهي إشارة ضمنية إلى أهمية القوة، إن لم تتمكن من الظفـر بها ، تحالف مع من يمتلكها ليكون لك موطىء قدم!

وواصل : أن في الرواية معادلة دقيقة يحسب فيها العمـر بمحطاته أو هي نوع من المجازفة كالتي غرق فيها مدلول بإرادته وهو يتشرب حب حزب البعث من عمـّه الذي تكفّل بيتمـه لما صار وحيدا، فهل كان مدلول منساقـًا وراء قدره ويعي خطورة حلم البدلة البيضاء؟ أم أنه كان مجرد أداة في محرك السلطـة الديكتاتورية؟ فـقيمة الإنسان تتحول في مجمل الحياة إلى حالة هامشية، رقم عـابـر يدون على شاهـدة قبر وهذا ما تفعله الحروب العبثية التي تجيد التورط فيها الأنظمة الدولية (الفاشلة) الغارقة في حب السلطـة والفساد، حيث قام “سعيد” بوضع يـده على مفاصلها الكارثية ولم يضطـر لتجميل وجهها القـبيح خـوفًا من وجـه الرقيب، توغــل في مجمل الصورة المأساوية والواقعيـة التي أحاطـت بالإنسان العراقي.

ولفت الى ان مدلول يمكننا رؤيتـه كنموذج للـشاب العراقي “الجنوبي” الذي أراد استعارة القوة والاحترام والمهابة من نظام قمعي، ليكون له مكانة وســط مجتمعه الذي عايره ذات يوم بأن زوجة أبيه “عاهــرة” فكان يبحث لنفسه عـن ذلك الاحترام المفقود لأن ذاكرة الناس لا تنسى، لكن ثمــة ثمـنٌ باهضٌ يُدفع إزاء استقرار هذه المعادلة الخطـرة، لنعتبرها من ضمن الخيارات المستحيلة التي يدخل حلقتها النارية مدلول غـير مدركٍ إلى أين تمضي بـه؟ فمن الظروف والتحولات الداخلية التي حصلت للعراق ما بعد عام 2003 حينما أصبح الجيش الأمريكي في قلب بغـداد وأعـلنت نهاية سلطـة حزب البعث أنطلقت حملات داخلية عـراقية أستهدفت مسؤولي وقيادات الصفوف الخلفية لكوادر حـزب البعث ممن لم يتمكن من الهرب في اللـحظات الأخيرة وجـرت تصفيتهم لإسترداد فاتورة حساب الانتقام المبيت من عـقود.

وختم :أن كاتبنا “سعيد” ترك لنا بعض الإشارات التنبؤيـة التي قرأت بشكل استشرافي ماهية المصير السوداوي الذي وقع فيه العراق ما بعد دائرة الحروب التي طحنته على كل الأصعدة، ترك أحداث الرواية تصل إلى نقطـة الختام دونما تحديد مصير شخصيته البطـلة مدلول، وقف حائـرًا في منتصف الطريق يبحث عـن نفسه وأصبح عـالقـًا، غير قادر على الهرب من الوطن لكيلا يُقبض عليه فيتهم بالخيانة ويُـعدم ولا هو قادر على التنصل من انتماءه الحزبي لتنظيف نفسه من أدران عــارٍ لا يسقط بالتقادم وحسابه مؤجـل! .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى