اراء

لقد نسينا الله …

بقلم / منهل عبد الأمير المرشدي ..
بادىء ذي بدء أقدم اعتذاري لكل من لايجد نفسه ضمن ما أصف الحال في مفردات المقال فلست بمؤمن في التسقيط الجمعي ولابد أن نستثني ثلة من الأولين وقليل من الآخرين وقد كتبت المقال بإرهاصات قلب يتألم وينزف ألما وحسرة على ما آل اليه حال العراق . لست في محاضرة دينية ولا ادّعي الخوض في مجال يختص به رجاله فذلك الأمر يأخذ ممن يلج فيه من دون تخصص أكثر مما يعطيه . أنا هنا أكتب من وحي ما جاء في الآية الكريمة ( وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ )الحشر: 19 وفقا لما جاء في اتفاق المفسرين لجميع المذاهب الإسلامية كونها آية واضحة الدلالة في المعنى من دون الحاجة الى التأويل والغور في التفسير بأن لا تنسوا ذكر الله تعالى فينسيكم العمل لمصالح أنفسكم التي تنفعكم في معادكم فإن الجزاء من جنس العمل . ولا تكونوا كالذين نسوا الله أي تركوا أمره أو ما قدروه حق قدره أو لم يخافوه أو جميع ذلك فأنساهم أنفسهم أي جعلهم ناسين لها بسبب نسيانهم له فلم يشتغلوا بالأعمال التي تنجيهم من العذاب ولم يكفوا عن المعاصي التي توقعهم فيه ففي الكلام مضاف محذوف أي أنساهم حظوظ أنفسهم كما أنهم نسوا حق الله فأنساهم حق أنفسهم ، وقيل نسوا الله في الرخاء فأنساهم أنفسهم في الشدائد .
لا شأن لنا ببقية الشعوب والدول ولنتحدث عن بلادنا وأهلنا وناسنا. نحن في العراق بلد الإسلام شاء من شاء وأبى من أبى مع احترامنا لإخوتنا من كل الطوائف والأديان . العراق مدرسة المذاهب ومثوى أجساد آل البيت عليهم السلام والأولياء والصالحين . لكننا نسينا الإسلام وتناسينا أننا مسلمون . حتى في الطقوس والشعائر الدينية والأحزان والأفراح فقد ابتعدنا عما يريد الله أو يرضى به فبيننا الآلاف مؤلفة ممن يعبد في ذاته صنما غير الله ويؤلّه بين جوانحه إلها غير الله من ساسة الضلالة وزعماء النفاق وقادة الفساد فقد نسينا الله في طقوسنا ونسينا الله في أعمالنا ونسينا الله في عباداتنا فصار لكل مسجد أو حسينية حزب يدعمه أو تيار تمثله وقائد أو زعيم تعلق صورته هنا أو هناك وصار حرم بعض المساجد ساحة للتثقيف والتسييس وتحديد مواعيد الاجتماع القادم والمؤتمر القادم والمؤامرة القادمة والنفاق القادم . نسينا الله في كل شيء . بعلاقاتنا فيما بيننا بأهلنا وأرحامنا بآبائنا وأبنائنا وبناتنا. نسينا الله في واجبات الأب وحقوقه وصلاحيات الأب ومسؤولياته فراح الأبناء في التيه وتعولم من تعولم وتفرعن من تفرعن وشذ من شذ وضاع من ضاع بين باحث عن وطن وبين حارق ومدمّر للوطن . نسينا الله في معاملاتنا وعملنا وفسدنا حتى فاحت رائحة الفساد في طعامنا ومنامنا وصباحنا ومسائنا واستسهلنا السحت الحرام . نسينا الله حتى في عبادتنا فتحولت الصلاة عند البعض من عبادة الى عادة . وضوء وتكبير وقيام وركوع وسجود لكننا لا نصلي فالتوجه نحو الله لكن القلب مرهون عند الأوثان الزعماء والرؤساء والغرائز والشهوات والأنجاس والنجاسات. نحجّ بيت الله ونعتمر فنقصد ونحرم ونطوف ونلبي لكننا لا نحج فأكثرنا يتأبط في جوانحه إلها غير الله وقائدا فوق قداسة الله فهو لا يأبه ولا يهتم لو شتمت الذات الإلهية أمامه لكنه قد يقتلك لو شتمت قائده أو زعيمه . الربا وما أدراك ما الربا والمرابي بحرب مع الله وحدّث ولا حرج , الكذب والكذّاب عدو الله وقد صار الكذب في الأمة طبع وتطبع وسجية . أما النفاق فإذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون . ماذا أقول وعن أي جرح أتحدث . عن فقراء بلدي الذين يتضورون عوزا وهم يسكنون فوق آبار النفط ونسوا الله فنسوا حقوقهم وانصاعوا لمافيات الفساد والنفاق كالعبيد أو أتحدث عن بعض العراقيين الذين هاجروا ونسوا الله في أعمالهم فنسو النساء في حجابهم ونسي الشباب الله في صلاتهم ونسي الكثير منهم الله في طعامهم ولباسهم . ماذا أقول وعن أي جرح أتحدث . عن وطني العراق أغنى بلاد الأرض وأفقر شعب في الأرض بعد أن نسينا الله فتفرعن علينا الفاسدون والمنافقون من عصابة البارزاني في الشمال التي تنهب أموال العراق ونفطه وموارده من دون أن يجد من يردعه فكل ساسة الشيعة والسنة بين عميل وجبان ومنافق وكلهم خائنون فاسدون , وزراء ونواب ورئاسات وحيثما كانوا أو تسمّوا . نسوا الله فأنساهم أنفسهم . ماذا أقول وعن أي جرح أتكلم . أغلبنا يكتب ويقول ويحلل ويحكي الحكايا لكنه بين جاهل للعلة أو متجاهل لها . نعم لقد نسينا الله وأقول ما أقول وأذكر ما أذكر عند انتهاء الحرب العراقية الإيرانية التي أخذت مئات الآلاف من الضحايا من البلدين بإرادة أمريكا والاعراب ومشايخ الخليج وبتنفيذ من المقبور صدام , بعد أن انتهت الحرب وقال مذيع بيان البيانات احتفلوا أيها العراقيون كل على طريقته الخاصة .

خرج الشعب العراقي يرقص ويغني حتى الصباح بمشاهد ما أنزل الله بها من سلطان فيما كان الشعب الإيراني يتضرع لله في الشوارع والمساجد, يكبر لله ويصلي لله ويشكر الله. لقد نسينا الله نحن فيما تذكروا الله هم . وها نحن اليوم بين أنياب الفاسدين ينهبون أموالنا ويخربون حياتنا ويدمرون تأريخنا وحاضرنا ومستقبل أبنائنا وها هي إيران دولة تأكل مما تزرع وتصدّر مما تصنع وتلبس مما تنتج ونووية تطلق الأقمار الصناعية وتفتح آفاق المستقبل لشعبها بصبر وجد واجتهاد . أما نحن فأقسم لكم بإيران بره بره . لقد نسينا الله .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى