“أجنحة الرغبة” مثال على شعرية السينما

سليم البيك..
الفيلم قصيدة حب على أكثر من مستوى، حب للمدينة بمكتباتها وسيركها وشوارعها وحاراتها وسكانها، حب للملذات الحسية في هذه المدينة كالقهوة والتجوال.
فيلم الألماني فيم فيندرز، المكتوب برهافة سردية، والمصور بحساسية كأن الكاميرا تتنقل على غيمة، يحكي عن أحوال مدينة برلين كما يراها، من أعالي المباني والكاتدرائيات ومن داخل المكتبات وعلى الأرصفة. ملائكة متجولون في المدينة متنقلون بين أهلها، غير مرئيين، لا أثر لحركاتهم وأفعالهم. هم ملائكة لا يراهم غير الأطفال، يحومون حول أهالي المدينة ينصتون إليهم، في أحاديثهم السرية وهواجسهم، وتحديداً في أفكارهم غير المحكية، وفي حالات العزلة والوحدة شديدتي الوطأة، في مدينة مزدحمة كهذه. يسمع الملائكة أفكار الناس، بأصواتهم ولغاتهم المتعددة في المدينة.
بعد جولات بين السماء والأرض، بين سكان المدينة ومساحاتها، يتعلق الملاك بالمدينة، وهو رجل يلبس، كباقي الملائكة، معطفاً بمسحة رمادية، لا يبتسم، لا يحس، لا يستلذ. يراقب الحسية لدى الآدميين واللذة، يخبره ملاك آخر، قد تحول إلى آدمي، أنه طالما بقي ملاكاً لن يشعر بلذة القهوة الساخنة، ولا دفء فرك اليدين.
الفيلم، في حكايته هذه، مثال ممتاز على شعرية السينما، ما نجده، في المناسبة، في فيلم آخر لفيندرز، لا يقل شاعرية وسحراً واحتفاء بالوحدة، هو «باريس، تكساس» Paris Texas الذي صدر عام 1984 سابقاً فيلمنا هذا «أجنحة الرغبة» (Wings of Desire) بأعوام ثلاثة فقط. كأن الطاقة الإبداعية لدى فيندرز قد تكثفت في مرحلته القصيرة هذه متركزة في فيلميه، بعد وقبل أفلام عديدة أخرى تفاوتت في أهميتها وجمالها، مبتعدة نوعاً ما عن فيلميه البديعين.
ترافق ذلك مع جماليات بصرية جمعت بين الأبيض والأسود، بمسحة «سيبيا» تضفي اصفراراً خفيفاً يمنح للصور وهميتها وهلاميتها، وهي، بذلك، ما يراه الملائكة وكيف يرونه.
نزولاً إلى الأرض تصبح الصور ملونة، لأن للألوان لذة حسية، كما هي باقي الملذات التي أتت بالملاك إلى الأرض. وقد لمحها، مرات، في مراقبته للمرأة تلعب على الحبال في الهواء، وقد تخللت المشاهد الرمادية، لقطة ملونة.



