اراء

هل يطوي بوتين صفحة العالم الأميركي؟

 

 

بقلم/قتيبة الصالح..

 

قد يكون اعتراف موسكو باستقلال جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، الذي أعلنه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، هو التفصيل الأقل أهمية في خطابه المطوَّل والموجَّه إلى الشعب الروسي. أعاد بوتين، وفق سردية متماسكة، تعريف الأزمة، ملقياً الكرة مجدداً عبر الحدود، من دون أن ينسى الإشارة إلى فصل جديد في النظام العالمي.

ركزت أغلبية التعليقات، طوال الفترة السابقة، على أوكرانيا، في إطار الحشد العسكري الروسي وما يمثله من تهديد لكييف، بينما صوّرت الدعاية الأميركية الحدث على أنه وُلِد من العدم، وأن المشكلة الروسية هي في وجود أوكرانيا ديمقراطية عند حدودها. لذا، تريد موسكو فرض نفوذها على السياسة الخارجية لكييف.

كانت روسيا، على عكس اليوم، أضعفَ من أن يُسمع صوتها. وعلى وقع حاجتها إلى مليارات الدولارات من صندوق النقد الدولي، لم تمتلك موسكو كثيراً من الخيارات، فوقّعت اتفاقية العلاقات المتبادلة مع الناتو عام 1997.

بسهولة، تجاهلت واشنطن اعتراضات يلتسين على تمدُّد الناتو شرقاً، والذي مثّل تراجعاً أميركياً عن الضمانات الشفوية التي أُعطيت لغورباتشوف، وتجاهلت الولايات المتحدة أيضاً الأصوات الداخلية التي اعترضت على التوسع، داعيةً إلى استغلال الفرصة التاريخية في إنشاء نظام أوروبي جديد يشمل روسيا. ونتيجة ذلك، استمر منطق الحرب الباردة أميركياً. والحلف، الذي ضم 16عضواً في ذروة الحرب الباردة، أصبح يضم 30 دولة.

بناءً على كل ذلك، يمكن الحديث عن الموقف الروسي في هذه اللحظة، والذي ينطلق في إطار الأزمة الأوكرانية من 3 محدِّدات رئيسة:

1ـ خطاب بوتين الافتتاحي، خلال اجتماع مجلس الأمن الروسي، في أيار/مايو 2021، والذي أشار فيه إلى أن أوكرانيا تتحول “ببطء، لكن بثبات، إلى نقيض معادٍ لروسيا”.

2ـ  كلمة بوتين خلال الاجتماع الموسَّع لمجلس وزارة الخارجية الروسية في الـ 18 من تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، والذي أكد فيه أنه لا يؤمن بالضمانات الأمنية الأميركية، وأن واشنطن تنسحب ببساطة من المعاهدات مع تفسير، أو من دونه.

3ـ المقال الشديد اللهجة للرئيس السابق دميتري ميدفيديف، في صحيفة “كومرسانت”، في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، والذي وصف فيه القيادة الأوكرانية بأنها “تابعة”، وأن إجراء مزيد من المحادثات مع كييف لا طائل فيه.

 

وفقاً للمحدِّدات السابقة، يمكن تلخيص الموقف الروسي بالقول إن موسكو تعتبر الحد من المخاطر التي تشكّلها أوكرانيا بوابة لمراجعة النظام الأمني في أوروبا في فترة ما بعد الحرب الباردة. وفي هذا السياق، لم تعد روسيا تقبل المسار الذي تتخذه كييف في إطار تحولها التدريجي إلى دولة معادية، بالتوازي مع عدم الثقة الروسية بالالتزام الأميركي بشأن أي إطار دبلوماسي لحل الأزمة.

وانطلاقاً من هذا الموقف، وبالنظر إلى المعطيات التي قدّمها بوتين في خطابه الأخير، يمكن تقييم مآلات الأزمة الحالية، والتي تتراوح سيناريوهاتها بين أقصى التصعيد وأقصى التسوية، أو المراوحة بينهما.

استمرار التوتّر الحادّ

كثيرة هي الحسابات لدى جميع الأطراف: تُهدَّد روسيا بعقوبات قصوى، يقلِّل بوتين أهميتَها، وهو الذي استبق خطواته بتعزيز محور بكين – موسكو، بينما ترفض الولايات المتحدة الاستجابة للمطالب الروسية، في موازاة بحثها عن بدائل في كل الاتِّجاهات من أجل ضمان الحشد الأوروبي.

انفراج الأزمة (تسوية مؤقتة أَم بعيدة المدى)

بالنسبة إلى روسيا، لم تعد التهدئة هدفاً. يبحث بوتين عن حل نهائي للمشكلة الأوكرانية، وهو يدرك تماماً أن أي اتفاق لا يتضمن الضمانات المطلوبة يعني تأجيلاً للأزمة وإعادة تفجُّرها، وفق معطيات جديدة، يصبح معها الحل أكثر تكلفة.

في السياق، يدرك الرئيس الروسي أيضاً أنه لا يمكن ضمان التزام واشنطن الاتفاقيات البعيدة المدى، وأن أياً من الهيئات التشريعية في الولايات المتحدة أو أوروبا لن تمرر اتفاقية ملزمة قانونياً مع روسيا، ناهيك بالقناعة الروسية بانعدام الثقة بقيادات كييف، حتى المستقبليين منهم.

سيناريو التصعيد العسكري (واسع أَم محدود)

تريد موسكو إنهاء التهديد الذي يشكّله الناتو عبر كييف. ومن خلال أوكرانيا تعمل روسيا على إحداث انفصال زمني عن تسعينيات القرن العشرين، تدفن من خلاله نظام ما بعد الحرب الباردة، في كل تفاصيله.

وبعد الاعتراف باستقلال دونيتسك ولوغانسك، أصبح الحديث عن الخيار العسكري احتمالاً معقولاً بالنسبة إلى كثيرين، على أن ذلك يبقى نسبياً لناحية اتساعه ومداه ونوعيته.

يمكن القول، ختاماً، إن اللحظة الأوكرانية تمثل فرصة في إعادة كتابة تاريخ ما بعد الحرب الباردة. تغادر روسيا الركام السوفياتي، ويعلن بوتين رسمياً نهاية “لحظة الأحادية القطبية”، والتي احتفل بها تشارلز كراوثامر في “الواشنطن بوست” عام 1990، معتبراً أن “الشرق استقال من اللعبة”.

وفقاً لفيونا هيل، مسؤولة الشؤون الروسية السابقة في الاستخبارات الأميركية، فإن ما يسعى إليه بوتين هو أن “تشعر الولايات المتحدة بمرارة الدواء الذي تجرَّعته روسيا خلال حقبة التسعينيات، فواشنطن ضعيفة بشدة في الجبهة الداخلية، وفي موقف متراجع في الخارج. إنه يعتقد أيضاً أن حلف الناتو ليس أكثر من امتداد للولايات المتحدة. لذا، عندما يتعلق الأمر بالحلف، تكون كل تحركات موسكو موجهة نحو واشنطن”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى