الليرة التركية أو “حماس”

بقلم/مهران ثابت..
لا يكاد يحدث شيء في دول الشرق الأوسط، من اضطرابات أو تغييرات، إلا ويلقي بظلاله على القضية الفلسطينية عامة، وعلى مشروع مقاومة المحتلّ الإسرائيليّ خاصّة، والتاريخ حافل بالأحداث الّتي جرت في المنطقة، والتي كان لها تأثير سلبي أو إيجابي في القضية الفلسطينية، ولا يحتمل المقام هنا ذكرها.
وكما يتبدّى من العنوان، أنَّ أزمة الليرة التركية الجارية حالياً لا تخرج عن نطاق المعادلة التي أشرنا إليها في المقدمة. في واقع الأمر، الأزمات الاقتصادية ليست غريبة على تركيا، فتاريخها يشهد على الكثير منها، حتى إنَّ الرئيس التركي رجب طيب إردوغان نفسه بزغ نجمه بعد أن نجح في إخراج تركيا من أزمة اقتصادية سابقة، ولكنَّ الأزمة الحالية – وإن كانت اقتصادية في ظاهرها – لها أسباب وأبعاد سياسية بحتة، تتعلَّق بشكل خاص بالسلوك السياسي “الجريء” الذي انتهجه الرئيس التركي منذ أحداث “الربيع العربي” وما أفرزه من تطوّرات. وقد تباين هذا السّلوك كلياً عن سياسة “صفر مشاكل” التي اعتمدها في المراحل الأولى من تولّيه سدة الحكم في بلده وادي الذئاب.
وليس سراً أنَّ أحد الإجراءات السياسية التي عمد إليها إردوغان كان احتواء حركة “حماس” في الخارج بشقيها السياسي والعسكري. ومن المعلوم أنَّ احتواءه “حماس” كان من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى قطيعة سياسية بين تركيا وبعض الكيانات السياسية في المنطقة، وعلى رأسها “إسرائيل”، التي ما فتئت تضغط على الحكومة التركية من أجل طرد كوادر الحركة من بلاد الأناضول تحت ذرائع مختلفة، أهمها قيام “حماس” بتوجيه عمليات من تركيا ضد “إسرائيل” في الضفة الغربية، غير أنّ كلّ تلك الضغوط الإسرائيلية والضغوط الأميركية – بطبيعة الحال – وكذا الضغوط العربية في بعض الأحيان على إردوغان من أجل إخراج “حماس” من تركيا كانت تبوء بالفشل، باستثناء بعض الحالات، لكن، في رأيي، الأزمة الاقتصادية التي تعيشها تركيا لها من التداعيات ما لها هذه المرة، ما سيضطر إردوغان إلى تغيير سياسته 180 درجة، وسيؤثر في وضع “حماس” في تركيا.
كلّ ذلك لم يؤتِ ثماره، بل على النقيض من ذلك، كبَّد اقتصاد تركيا الكثير من الخسائر التي تمثلت بالتضخم الحاصل في الليرة التركية مقابل الدولار، والتي لم تتعافَ كثيراً بعدما أطلق سياسته الاقتصادية بتقليل سعر الفائدة في البنوك للتشجيع على الاستثمار.
هنا، خُيل إلى أردوغان أنَّ عليه تغيير سياسته التقليدية وانتهاج سياسة أخرى معاكسة تماماً، تتمثَّل بالتقارب مع مصر والإمارات، وأهمّ من ذلك كلّه، إنهاء القطيعة السياسية مع “إسرائيل”، من خلال النزول عند شروطها القديمة الحديثة، وعلى رأسها التخلي عن “حماس”. ولعلَّ زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ المرتقبة إلى تركيا خير دليل على ما تقدَّمنا به في السطور السابقة، إذ إنّها تعد زيارة نادرة.
وفي اعتقادي، إنَّ التسوية بين تركيا و”إسرائيل” حول “حماس” قد تكون على النحو الآتي:
– أن تطرد تركيا جميع كوادر “حماس” الذين يمارسون حالياً نشاطاً عسكرياً ضد “إسرائيل” أو كانوا يمارسونه سابقاً.
– أن تقلّص تركيا عدد كوادر “حماس” السياسيين مع تقليص نشاطهم الدبلوماسي.
–أن تؤدي تركيا دور وسيط ضاغط على “حماس” في حال اندلاع مواجهة جديدة مع “إسرائيل“.
أما “إسرائيل”، فإنّها ستقدّم لتركيا الآتي:
– أن تقنع الولايات المتحدة برفع بعض العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، والتي أنهكت الليرة التركية.
– أن تقنع اليونان وقبرص بإعطاء تركيا حصة في الغاز المكتشف في حوض المتوسط، وإشراكها في اتفاقية خط الأنابيب “إيست – ميد“.
– أن تشجّع الدول الخليجية على الاستثمار في تركيا (علماً أنَّ إردوغان زار الإمارات قبل أيام قليلة من أجل التقارب الاقتصادي).
ختاماً، هناك تحوّل كبير في سياسة إردوغان بسبب أزمة الليرة التي قد تفقده عرش الحكم. هذا التحوّل السياسي سينعكس سلباً على مكانة “حماس” ووضعها في تركيا. وعند المفاضلة في ميزان إردوغان، فإنَّ الليرة التركية ترجّح كفتها على كفّة “حماس“.



