كيف ننظر الى الأحداث في اقليم كردستان ؟
محمود الهاشمي
منذ ان نشأت روح التمرد في كردستان ، لم يكن السبب وطنيا ولا قوميا ، فالأسرة التي اعلنت تمردها على الانظمة الحكومية المتعاقبة (البارزانيين) هم ليسوا أسرة أو قبيلة واحدة بل هم مجموعة قبائل سكنت قرية بارزان القريبة من شمال الزاب الكبير وهي المركز الرئيس لشيخ الطريقة النقشبندية التي يدين أهلها بالطاعة والولاء له .
وأول شيخ لها (جد الملا مصطفى البارزاني) الشيخ محمد الذي كان يسكن ايران ثم نزح الى العراق ايام الحكم العثماني وهو شيخ من شيوخ الطريقة النقشبندية وأسس تكية هناك في قرية بارزان ليؤمها الدراويش وقد دانت له عدة قبائل كردية وبعد وفاته حل محله ابنه الشيخ عبد الرحيم الذي سار على نفس المنهج الا انه اكره الاسر الاثورية التي تجاور قراهم للانتماء للإسلام ومن لم يسلم ما كان له الا ان يهاجر وتعامل مع الديان الاخرى بنفس الطريقة.. والشيخ عبد الرحمن انجب خمسة اولاد هم عبد السلام واحمد والملا مصطفى وصديق ومحمد وعندما استلم الامر عبد السلام فرض الضريبة على الناس بالإكراه وباسم التكية وكانت الحكومة التركية يومها عاجزة من الوصول الى هذه المناطق الوعرة .. لكن في اوئل الحرب الالمية هاجموه حيث حوكم واعدم في الموصل وبعد دخول الانكليز العراق هاجموهم لمرات وقتلوا منهم الكثير لأنهم مارسوا القتل واستعباد الناس .. ومازال الشيخ احمد الذي ورث السلطة يمنع تشكيل حكومة أو ادارة في مناطقهم حتى تحولوا الى عصاة متمردين اشبه بقطاعي الطرق بل ومن شدة البطش حول مسجده في بارزان الى كعبة يدور حولها المريدون.. وتحولت الاسرة (ال بارزان) الى اسرة اقطاعية تقاسم الناس ارزاقها وتقتل من يقف في وجهها .. والغريب في الامر فجأة تحول الشيخ احمد الى شبه ملحد كما تقول تقارير الاستخبارات الانكليزية وفر الناس من حوله الى داخل تركيا فارسل الشيخ احمد اخاه الملا مصطفى مع 600 فارس لملاحقة الفارين وقتلهم .. وفعل ذلك ليبدأ عصر الملا الدموي وعصر الملا مع الحكومة في العهد الملكي الى ايام الحكومة المبادة وهو عصر يشخب دما وموتا واستهلاكا للحياة والاقتصاد وكان سببا في تعطيل اي مشروع وطني أو اقتصادي وخلفه ابنه مسعود الذي سار على ذات النهج من التآمر سواء على العراق بشكل عام أو على الاكراد بشكل خاص فهو يرى الاقليم ملكا له ولأبيه وقبيلته ..
وعندما نشأت الحركات الوطنية في شمال الوطن أزعج ذلك الاسرة البارزانية ووقفت في وجه الاحزاب الكردية الراغبة بالخلاص من هيمنة الاسرة البارزانية الظالمة وإذا ما تقاربت بعض الاحزاب للقتال المشترك ضد الحكومة المركزية فانها سرعان ما تختلف وقد بدأ الصراع في ستينيات القرن الماضي بين الحزب البارتي (الاتحاد الوطني الكردستاني) وبين الاتحاد الوطني الكردستاني الذي ضم مجموعة احزاب ذات اتجاهات ماركسية واشتراكية واخذ الصراع ابعادا شتى اقلها هو الاتهام للحزب البارتي في استغلال فقراء الاقليم وقتلهم وترويعهم.. وكان الاتحاد الوطني بقيادة مام جلال يدعو للقضاء على الامية ونشر العلم والمعرفة واستتباب الامن فيما يرى الحزب البارتي ان ذلك سيخلق تمردا لدى الاوساط العامة ضد الاسياد وهذا الامر يظهر جليا الان حيث ترى مناطق نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني في السليمانية وغيرها أكثر ثقافة ووعيا من مناطق نفوذ البارتي وبذلك تشعر انك في ادارتين وليس ادارة واحدة في السلوك والقيم والتفاهم مع الاخر .. ان اعنف الخلافات التي دبت بين الحزبين كان في بداية الثمانينيات من القرن الماضي – يومها نحن كنا شهودا عليه – حيث جرت معارك دامية لم تنته الا بعد اربع سنوات ثم اشتدت في عام 1994 واستدعى خلالها مسعود قوات صدام لمهاجمة مقرات الاتحاد الوطني وذبح من فيها وتغييب 3 الاف مواطن مازال الاتحاد يطالب فيهم وبقي هذا الصراع الدموي حتى عام 1998 حيث تدخلت امريكا وبريطانيا لفك الخلاف. وعلى الرغم من (البحبوحة) التي ساعدت بها الظروف الا ان النزعة لدى مسعود ذاتها قائمة وحاول ان يجعل من نفسه الرجل الاول والقائد الاوحد في عموم مساحة الاكراد وكان يزعجه انسجام الرئيس طالباني مع الوضع السياسي الجديد وتصريحه لأكثر من مرة (ان دولة كردستان مجرد حلم) وتجلى ذلك برفض مسعود المشاركة في مؤتمر القمة الذي انعقد في بغداد بقيادة جلال طالباني كما تجلى ايضا بعدم عيادة مسعود لجلال اثناء مرضه في السليمانية. ان الخلاف الان في الاقليم هو خلاف الشعب مع السلطة الدكتاتورية وليس خلافات حزبية معتادة .. ولإيضاح الصورة اكثر فجميع ما في اربيل وضواحيها ملكا لأسرة بارزاني وحزبه فلا يعين موظف صغير دون ان يكون ولاؤه مضمونا للبارتي ومسعود ومثل ذلك في البيشمركة والاسايش والاستثمارات الاقتصادية ولا يمكن لك ان تستثمر دون ان يكون لك شريك من اسرة مسعود ناهيك عن كم الافواه وقتل المعارضين ، والدليل هو الرقم الكبير للمهاجرين من الاقليم اخيرا الى اوربا وتعبيرهم عن جزعهم من الحياة هناك ..
اقول ان الوضع في الاقليم يحتاج الى فهم من القيادات في بغداد والولوج الى هذا المعترك بدلا من ترك الجهات الخارجية تلعب في مصيره وتجعل منه وسيلة ازعاج للعراق بشكل عام .. وهنا يمكن الدخول عبر نافذة (المظلومية) لهذا الشعب وسوف نجد اصواتا كثيرة تنتظر من يقف معها ، وهنا لابد من الاعلام ان يأخذ دوره ودخول عالم المعاناة للشعب الكردي دون الاعتقاد ان هموم كردستان بحدود كردستان فيما تجد انهم صنعوا في بغداد كارتيلات اعلامية تهتف لدكتاتورية مسعود والنيل من قياداتنا ويكفي شاهدا ما تقوم به مؤسسة المدى ….!!
فيما لا يعلم المواطن الكردي عما يدور حوله الا عبر نافذة الاعلام الكردي المخنوق بحبل مسعود وعصابته .
واختم بما قلته يوما لحيدر عبادي وبحضور الاستاذ خالد واستاذ عادل :- لابد ان تعتقدوا ان اقليم كردستان لا يعني مسعود بل هناك احزاب في الاقليم يمكن التفاهم معها فأجابت احدى النائبات جوابا معناه انهم (واحد) وذلك هو الخطأ والخطل الكبير .



