ماذا لو فاز “ترامب فرنسا” في الانتخابات الرئاسيّة المقبلة؟

بقلم/جيرار ديب..
ينتظر قصر الأليزيه الرئيس الثاني عشر للجمهورية الفرنسية الخامسة في العام 2022، إذ ستُقام الجولة الأولى من الانتخابات في 23 نيسان/أبريل 2022، على أن تُجرى الثانية في 7 أيار/مايو من العام نفسه، وتكون محصورة بين المرشّحين الذين نالوا أكثرية الأصوات في الجولة الأولى.
منذ قيام الثورة الفرنسيّة على النظام الملكيّ في العام 1789، أُعيدت كتابة الدستور الفرنسي عدة مرات، حتى جاء الرئيس شارل ديغول في العام 1958، وصمَّم دستوراً أعطى الرئيس صلاحيات كبيرة. ويطلق خبراء العلوم السياسية على النظام الفرنسي مُسمّى “النّظام شبه الرئاسي”، لأنه يتألَّف من شقين؛ الرئاسي والبرلماني.
منصب رئيس فرنسا هو منصب غير عادي لدولة غير عادية. إنَّه الرئيس الَّذي لا ينتظره الفرنسي فقط، بل العالم أجمع أيضاً، فمن يكون الرئيس المقبل؟ يتمتّع الرئيس الفرنسيّ بامتيازات كبيرة، أهمّها تعيينه رئيس الوزراء، الذي غالباً ما يكون من حزب الرئيس نفسه.
كما أنَّ قوة الرئيس الفرنسي تفوق قادة الدول الديمقراطية المتقدمة، وترتيبها الـ24 بين ديمقراطيات العالم، بحسب مقياس “أيكونوميست إنتلجنس” للعام 2013، وتوصف بـ”الديمقراطية المعيوبة”، لا لأنَّ الرئيس هو القائد الأعلى للقوات المسلَّحة، ويملك قرار شنّ الحرب والسلام فحسب، بل لأنه قادر أيضاً على إصدار قوانين تخصّ شؤون البلاد الداخلية مع صلاحيات قليلة للبرلمان.
استطاعت الدبلوماسية الفرنسية في عهد الرئيس إيمانويل ماكرون أن تصبح القوّة الناعمة الأولى عالمياً، إذ أثّرت بشكل كبير خارج محيطها في المكانة الدبلوماسية والثقافة والفن واللغة وغيرها من القيم، فهل تنحصر المعركة بين الماكرونية السياسية والترامبية بنسختها الفرنسية، المتمثلة بين قطبي التطرف اليميني مارين لوبان، المنافسة في انتخابات العام 2017، والإعلامي المثير للجدل إيريك زامور، الَّذي أُدين مرتين بتهمة نشر الكراهية والعنصرية ضد المهاجرين؟
لا يخفى عن أحد أنَّ الرئيس ماكرون استطاع أن يعيد لفرنسا حالتها الوجودية في الساحة الدولية، من خلال دبلوماسية عُرفت بالذكية والمقنعة في الكثير من القضايا الدولية التي تدخَّلت فيها، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً لبنان.
كما أنَّه استطاع أن يجد لفرنسا مكانة في عالم الجيوبوليتيكا الحديثة، وهو اليوم رأس حربة في صراع الاتحاد الأوروبي مع روسيا، ونافس التركي في أكثر من منطقة نفوذ، ولا سيما ليبيا ولبنان، وخاصم الأميركي في صفقة الغواصات.
وفي لبنان، سارعت الماكرونية إلى طرح المبادرة اليتيمة لإنقاذ هذا البلد من قعر الانهيار، دافعةً الإدارة الأميركية إلى الوقوف خلف التحرك الفرنسي بالتنسيق التام. هذا ما أتى على لسان المتحدّث باسم البيت الأبيض، الذي عبّر عن أنَّ بلاده على تنسيق تام مع الفرنسي في الشأن اللبناني، ولا سيما في فرض العقوبات على السياسيين الفاشلين.
رغم نجاح الماكرونيَّة في قيادة سياسة فرنسا الخارجية، فإنَّها قطعت منتصف الطريق فقط للوصول إلى عتبة قصر الإليزيه، ويبقى أمامها عقبة داخلية هي الأساس في قلب نتائج الانتخابات الفرنسية، وهي قضية المهاجرين.
تعتبر لوبان، زعيمة التجمع الوطني اليميني المتطرف، الخصم التقليدي لكلِّ مرشح انتخابي فرنسي، إلى أيّ حزب انتمى، فقد أسَّس حزبها والدها جان ماري، وهو مؤسس الجبهة الوطنية، والمنتمي إلى أقصى اليمين المتطرّف، والذي دائماً ما يتخذ القضايا الداخلية عنواناً ليحاكي به الناخب الفرنسي، وعلى رأس هذه القضايا الوجود الإسلامي.
أما المرشّح الآخر المثير للجدل في طرح آرائه، زامور، فقد دفع المتابعين في الشأن الفرنسي إلى إطلاق لقب “ترامب فرنسا” عليه، لشدة تطرفه في قضايا مختلفة، على رأسها منع الهجرة إلى بلاده، وكان يُتّهم بالتحريض على الكراهية والعنصرية.
إثارة الجدل ليست جديدة على الكاتب زامور، وكذلك مواقفه من الجاليات المسلمة والأجانب في فرنسا بشكل عام، لكنَّ احتمال ترشّحه وفوزه برئاسة فرنسا أثارا مخاوف العرب والمسلمين ممّا قد يستتبعه من تضييق للعيش على المهاجرين وأبنائهم، وعلى المجتمع الفرنسي بشكل أوسع.
وفي كتابه الَّذي أتى تحت عنوان “فرنسا لم تقل كلمتها بعد”، يخاطب زامور الذهنية الفرنسيّة بشكل مباشر، كي يصل الصّوت إلى الناخب لقلب مقاييس التصويت في انتخابات 2022 المقبلة. وقد شكّل ذلك تحدّياً كبيراً لماكرون الذي فشل في التعاطي مع الملفات الداخليّة، وعلى رأسها ملفّ المهاجرين.
يقف الفرنسي والعالم اليوم أمام المرحلة المقبلة التي ستظهر نيّة زامور في الترشّح بشكل جدي، ما قد يجعل فرنسا البلد الأول بعد الولايات المتحدة، الذي يتحكّم في أرفع منصب لديه شخصية بذهنيّة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فوصول زامور إلى سدّة الرئاسة قد يفتح شهيّة التطرّف اليميني في دول أوروبا، ويعيد القارة، ولو بصورة رمزية، إلى ما قبل الثورة الفرنسية، لا بل إلى الحروب الصليبية من جديد.
أخيراً، تعتقد أوساط متابعة أنّ زامور أحدث خرقاً نوعياً في السياسة الفرنسيّة المقبلة، بنشره أفكاراً تحمل طابعاً عنصرياً تجاه الجاليات الأجنبية في فرنسا، ما دفع أيّ مرشح إلى الرئاسة إلى أن يتبناها، ولو بصيغة ألطف. لذلك، ترى تلك الأوساط أنّ عدم ترشّح زامور سيعزز تقدم لوبان على حساب ماكرون. هذا بالطبع في حال لم يترشح زامور. وفي الحالتين، سيكون للترامبية حضور حلولي على المرشّحين والناخبين الفرنسيين.



