إبراهيم بن مالك الأشتر .. بطل الخازر

من أبرز رموز الجهاد المسلح ضد السلطة الأموية، ومن الذين هيّأتهم ثورة الحسين لمواصلة مسيرة رفض الظلم والظالمين, وقد اتخذ من موقف الحسين (ع) في كربلاء المثل الأعلى له في رسم مسار حياته التي ترفض الذل والخنوع للظالمين وتأبى إلا السير على منهج الإباء.
إنه مفخرة من مفاخر الشيعة، وعلم من أعلام أصحاب أهل البيت، وسيف من سيوفهم وقد نذر حياته لهم, إنه ابن (مَن كان لأمير المؤمنين كما كان (ع) لرسول الله) ، وابن من وصفه أمير المؤمنين (ع) بقوله: (أَسْتَظْهِرُ بِهِ عَلَى إِقَامَةِ الدِّينِ وَأَقْمَعُ بِهِ نَخْوَةَ الْأَثِيمِ وَأَسُدُّ بِهِ لَهَاةَ الثَّغْرِ) فأتم الابن مسيرة أبيه في السير على نهجه وهداه.
إنه أبو النعمان إبراهيم بن مالك الأشتر بن الحارث بن يَعرُب بن قحطان النَخَعي ولد سنة (21 هـ / 642 م)، ونشأ في أسرة من أشرف وأسمى الأسر العربية اليمانية القحطانية وهي النخع التي يتزعمها أبوه مالك الأشتر النخعي قائد جيش أمير المؤمنين (ع)، فترسّم خطى والده في ولائه العميق لأهل البيت.
انضم إبراهيم مع أبيه مالك إلى معسكر الحق في صفين ووقف مع أمير المؤمنين (ع) وله من العمر سبعة عشر عاماً، ووقف موقفاً بطولياً مشرّفاً فيها سجله له تاريخ صفين وهو ما نصه:
أن معاوية أخرج عمرو بن العاص يوم صفين في خيل من حِميَر كلاع ويحصب إلى الأشتر ــ أي مالك ــ فلقيه الأشتر أمام الخيل فلما عرف عمرو أنه الأشتر جَبُن واستحيا أن يرجع فلما غشيه الأشتر بالرمح راع منه عمرو وثقل فأمسك عنان فرسه وجعل يده على وجهه ورجع راكضاً إلى المعسكر ونادى غلام شاب من يحصب: يا عمرو عليك العفا, ما هبت الصبا, يا لحمير أبلغوني اللواء.
وحمل على الحميري فالتقاه الحميري بلوائه ورمحه ولم يبرحا يطعن كل واحد منهما صاحبه حتى سقط الحميري قتيلا.
وكان هذا الحميري الذي قتله إبراهيم أحد أبطال جيش الشام الذين يعتمد عليهم معاوية في الحرب وقد أبدى استعداده لمبارزة الأشتر الذي يعرفه جيش الشام جيداً وقد رأى عمرو بن العاص وهو يفر من أمامه خوفاً منه.
وقد غم قتل الحميري معاوية فيما علا التهليل والتكبير جيش الإمام (عليه السلام) لهذه البطولة النادرة من إبراهيم الذي لم يكمل العقد الثاني من عمره وقد دعا الإمام لإبراهيم وجزاه خيراً وأشاد بشجاعته وولائه.
كان إبراهيم راسخ الإيمان مطلق الولاء لأمير المؤمنين (عليه السلام) واستمر بولائه الثابت لأهل البيت فصحب الإمام الحسن (عليه السلام)، وبعد وفاته كان إلى جنب الإمام الحسين (عليه السلام)، وقد بايع إبراهيم، مسلم بن عقيل لما أرسله الامام الحسين إلى الكوفة لأخذ البيعة من أهلها، وعندما أعلن (عليه السلام) ثورته كان عبيد الله بن زياد والي الكوفة قد اعتقل الكثير من الشيعة لمنعهم من الالتحاق به والانضمام إليه، وقيل اعتقل أربعة آلاف وخمسمائة رجل من كبار الشيعة ومن أصحاب أمير المؤمنين والحسن والحسين، ومنهم المختار الثقفي، وإبراهيم بن مالك الأشتر، وعبد الله بن الحارث، وسليمان بن صُرَد الخزاعي وغيرهم، وقَتَل كثيراً منهم.
خرج المختار من سجن ابن زياد بعد مقتل الحسين وهو يقول: (والله لأقطعن أنامل ابن زياد ولأقتلن بالحسين بن علي عدد من قتل بدم يحيى بن زكريا).
لقد كان الهدف من إقامة دولته هو القصاص من قتلة الحسين فرغم إنه تعرض للسجن والتعذيب والضرب حتى شترت عينه إلا أنه لم يقل من ذلك شيئاً حينما أعلن الثورة، بل كان شعاره يا (لثارات الحسين)، فما إن وطأت قدماه قصر الإمارة لأول مرة حتى بسط يده للبيعة من الناس على العمل بكتاب الله والطلب بثأر الحسين.
كان المختار من أقطاب الشيعة، وحارب السلطة الأموية منذ مطلعها وسلك طريقاً شاقاً محفوفاً بالمخاطر والأهوال في حربه لها، وكان من أشد المعارضين لسياستها الظالمة وتسلطها على رقاب المسلمين، كما كان من الدعاة إلى الإمام الحسين (ع) في الكوفة، وقد نزل مسلم بن عقيل في داره عند قدومه إلى الكوفة، وكان المختار يدعو لمسلم ووقف إلى جانبه ودعا الناس إلى الالتحاق بالحسين ونصرته، وتعرض بسبب مواقفه هذه إلى السجون والتعذيب.
بعد موت يزيد واستفحال أمر عبد الله بن الزبير هرب عبيد الله بن زياد والي الأمويين إلى الشام فكانت الكوفة تحت نفوذ ابن الزبير، وكان والياً عليها عبد الله بن مطيع فظهر المختار للناس وأظهر كتاباً قال إنه من محمد بن الحنفية يدعوه فيه للثورة على الأمويين والثأر منهم لدم الحسين (عليه السلام)، فالتفت حوله الشيعة وآزروه وكان إبراهيم من أبرز شخصيات الشيعة في الكوفة فقيل للمختار: (إن أجابنا إلى أمرنا إبراهيم بن الأشتر رجونا القوة على عدونا فإنه فتى رئيس وابن رجل شريف له عشيرة ذات عز).
واستجاب إبراهيم للمختار، ومنذ ذلك الوقت اقترن اسم إبراهيم مع المختار في التاريخ، فلا يكاد يُذكر المختار حتى يلوح ذكر ابن الأشتر الذي كان يده اليمنى وقطب دولته وثقته ومعتمده، وقد برز اسمه بعد أن جسّد أروع صور البطولة في المعارك التي خاضها مع المختار وقتله قتلة الحسين وخاصة معركة الخازر التي قتل بها عبيد الله بن زياد.
وقد استمد المختار مشروعية الثورة على الأمويين لأنهم تجبّروا وطغوا في الأرض وقتلوا سيد شباب أهل الجنة وسبط النبي وخير أهل الأرض في وقته الإمام الحسين (عليه السلام) مع أهل بيته وأصحابه وسبوا نساءه وعياله وهتكوا حرمة مدينة النبي وأبادوا أهلها واستحلوها قتلاً ونهباً لمدة ثلاثة أيام وارتكبوا فيها من المجازر ما يندى له الجبين.
وهناك روايات تشير إلى أن ثورة المختار كانت مؤيّدة من أهل البيت فقد أناب الإمام زين العابدين (ع) عمه محمد بن الحنفية في رفد الثورة والاتفاق مع الثوار حيث قال العلامة ابن نما ما نصه:
طمع الأمويون بالعراق بعد قمعهم ثورة التوابين في عين الوردة وقتل قائدها سليمان بن صرد الخزاعي، فأرسل عبد الملك بن مروان جيشاً بقيادة عبيد الله بن زياد للاستيلاء على العراق قبل أن يصله مصعب بن الزبير ويضمه لحكم أخيه عبد الله، فجاء ابن زياد وقد صمم على انتزاع الحكم من المختار بجيش عظيم احتل به الموصل، فاستدعى المختار إبراهيم ووجّهه لقتال ابن زياد فالتقيا على نهر الخازر الذي سُمِّيت المعركة باسمه هو نهر يقع بين أربيل والموصل، ويبعد عن الموصل نحو 37 كم.
اختلف المؤرخون في تعداد جيش إبراهيم بين ثمانية آلاف, وثلاثة عشر ألفاً, وعشرين ألفاً وأغلبهم من الفرس ويُطلق عليهم اسم (الحمراء) فيما كان تعداد الجيش الأموي ستون ألفاً وهذا التفاوت في العددين يشير إلى بطولة إبراهيم وشجاعته وصلابته فالقائد الذي يخوض حرباً غير متكافئة في العدد ويكون جيشه في أقصى عدده هو ثلت عدد جيش العدو هو قائد فذ عظيم.
عسكر إبراهيم قريباً من الموصل على نهر الخازر إلى جنب قرية يقال لها (باربيثا) ولم ينم ليلته حتى الفجر فصلى وعبأ أصحابه للحرب، ومشى بين الصفوف وهو يحثها على القتال ويذكّر الجند بما فعل ابن زياد بالحسين وأصحابه وأهل بيته من القتل والسبي ومنع الماء فكان يقول لهم:
(يا أنصار الدين وشيعة الحق وشرطة الله هذا عبيد الله بن مرجانة قاتل الحسين بن علي وابن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم حال بينه وبين بناته ونسائه وشيعته وبين ماء الفرات أن يشربوا منه وهم ينظرون إليه ومنعه أن ينصرف إلى رحله وأهله ومنعه من الذهاب في الأرض العريضة حتى قتله وقتل أهل بيته فوالله ما عمل فرعون بنجباء بني إسرائيل ما عمل ابن مرجانة بأهل بيت رسول الله صلى الله عليه واله وسلم الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا وقد جاءكم الله به وجاءه بكم فوالله اني لأرجو أن لا يكون الله جمع بينكم في هذا الموطن وبينه إلا ليشفي صدوركم بسفك دمه على أيديكم فقد علم الله أنكم خرجتم غضباً لأهل بيت نبيكم).



