ثقافية

ما السبيل للفوز بجائزة نوبل للآداب؟

 

علي لفتة سعيد..

هل هناك محددات قيمية أو فكرية أو تدوينية لهذه الجائزة؟ ما هو السبيل والمحدد لمعرفة كيفية الاختيار وما هي الشروط الواجب توفرها في الأديب الفلاني التي يمكن أن يمنح الجائزة؟ كيف يمكن للجنة الجائزة أن تحدد أهمية هذا الأديب الإبداعية والمكانية والفكرية والمخيالية، أو ذاك لأنها تعني بالنتاج المجمل لكل أديب يستحق الفوز؟ هل الفوز يعتمد على الأفكار التي يطرحها النتاج الأدبي، أو الحكايات التي يستلهمها النتاج؟ هل هناك أثر سياسي في الجائزة؟

ربما هناك أسئلة أخرى يمكن وضعها خارج عملية الاستحقاق، التي تتعرّض له الجائزة في كلّ عام، والتي تخيّب آمال المترقّبين لنتائج الجائزة، فهذا الأمر لا يمكن التدخّل فيه، فهو خاضعٌ لسلطة اللجنة ومقرّراتها، وحتى مزاجها العام، أو لنقل خاضعة حتى لأيديولوجيتها التي تحرّك وتوجّه الجائزة، فهو أمرٌ خاصّ لا يمكن الاعتراض عليه، لأننا ندرك أن لا شيء في العالم حيادي مهما كان، حتى لو كان الإيمان والبحث عن الجنّة، فهو يحتاج إلى رؤيةٍ غير محايدةٍ تقود إلى اختيار هذه الطريقة الخاصة في الإيمان.

بمعنى إن من يدفع المال له رؤية وله هدف وقصدية، حتى لو برّرت على أنها تسعى لإشاعة الجمال والأدب والسلام والعلم، فتلك مسميات فضفاضة، كون الطريق إلى ترجمة هذه المسمّيات هو وضع لوائحَ ونقاط، وربما شروط واعتبارات تدخل جميعها ضمن سياسة مانحي الجائزة.

نعود إلى الأسئلة التي تجعلنا ننطلق في عمليات التحليل المنطقي أو الواقعي على الأقل، ضمن ظروف العالم المترامي الأطراف، فهناك عدّة مئات من الآلاف من الأدباء، يكتبون وينتجون أدبًا، ومنهم آلاف من لهم التطلّع إلى الفوز بهذه الجائزة أو تلك، وأهمها بكلّ تأكيد جائزة نوبل. ولأن الجائزة ليس لها طريقٌ واحدٌ في معرفة كيفية المشاركة، إلا من خلال مساهمات جهات دولية في الترشيح التي تحاول، ومن خلال سلسلة من العلاقات والتنويهات والكتابات التي تفتح نافذة للجائزة من الانتباه لوجود أديب في هذه الدولة أو تلك، له مكانة مرموقة، وله مؤلّفات تستحق القراءة، وبالتالي يستحق الترشيح للجائزة. وهذه طرق قد لا تدخل من باب المفاضلة، بقدر ما هي تأتي من باب الترويج والإعلان، كما يحصل في عالمنا العربي، حيث يتم في كلّ عام ذكر أسماء محدّدة ومعيّنة لعلها تفوز بالجائزة كما يمكن لنا ذكر الشاعر العربي أدونيس، الذي نعده نحن القراء العرب، كنوعٍ من العاطفة والتأثير الإعلامي، شاعرا مجدّدا في القصيدة الحديثة، بل هو الذي يفلسف القصيدة، لكن الأمر بالنسبة للجنة الجائزة ربما غير ذلك.

والأمر الواضح في عدم معرفة المرشحين وكيفية الفوز، ان الغالبية العظمى تسمع بالفوز من خلال نشرات الأخبار، أو الإذاعات، أو الاتصالات الشخصية ولا نذهب بعيدا ونذكر ما قاله عبد الرزاق غورناه الفائز بنوبل للآداب لعام 2021 من أنه سمع بالفوز وهو يقضي إجازة، ما يدل على أن نوبل ولجنتها لا تعتمد على الخطابات العاطفية، وليس لها توجه معروف ومدرك ومحسوس وملموس، فهي تعمل وفق ما تريد، وتمنح الجائزة لمن تريد، وبالتأكيد ليس خارج نقاط الإبداع، لكن المفاضلة تكون بين المبدعين الذي يستحقون الجائزة لتدخل فيها ما ذكرنا إنه لا حياد في العالم.

لا يمكن الاعتماد على شهرة الأديب في بلده، لأن البلد في عالمنا العربي على الأقل، يحفر حفرةً عميقة جدا ليسقط المبدع فيها، ولا يتم إخراجه ولو بحبل من كتابٍ نقدي أو رسالة جامعية.

إن الأسئلة تبقى متناثرةً مثل بيدر حنطةٍ واسعٍ وغارقٍ في الماء، والمزارعون يخوضون بأرجلهم، لكي ينضج الزرع وينتظرون أشهر للحصاد، لكن الحصاد ربما لا يأتي بما تشتهي مناجل الفلاحين. بمعنى أن هناك ظروفًا أخرى مرافقة لهذه الإعلان، وهي خارج سياق الفهم العام لمتطلبّات الزرع، مع وجود مطبّات وحفر وعوائق في هذا البيدر وتلك الأرض ومن فيها من مالك وإقطاع قاس، فضلا عن جهات ربما لا تريد للزرع ان ينضج، والتي تأتي ضمن مقولة (مغني الحي لا تطرب) لأن واحدةً من شروط الجائزة التي قرأنا عنها سابقا أن يكون الأديب معروفًا في بلده. إذن ما هي الخطوات التي من خلالها يمكن الوصول إلى عملية الترشيح؟

لا يمكن الاعتماد على شهرة الأديب في بلده، لأن البلد في عالمنا العربي على الأقل، يحفر حفرةً عميقة جدا ليسقط المبدع فيها، ولا يتم إخراجه ولو بحبل من كتابٍ نقدي أو رسالة جامعية. ولا يمكن أن يعتمد على ما يصدره من نتاج يدفع من أجله الأموال ويتحمل ( مشاكل دور النشر) وشكواها من عدم البيع والربح، ولا يمكن الاعتماد على المؤسسات فتلك شبكة علاقات وتنازلات قد لا تجدي نفعا في رمي الحبل داخل الحفرة. إذن كيف السبيل للوصول إلى الجائزة؟

إن أهمّ شيء هو أن يسعى الكاتب إلى أن يكون أدبه مترجما إلى اللغات الأخرى، وأهمها بكلّ تأكيد اللغة الإنكليزية.. فما من أديبٍ فاز إن لم يكن نتاجه قد ترجم ليضمن صفة العالمية، وأن يعرف كيف يختار جهات الترجمة، ويدرك أين يضع ماله.. فالترجمة من العربية إلى الإنكليزية تحتاج أمرين، إما أن الأديب قادر على الكتابة باللغات الأخرى، وهذه يختص بها الأديب المغترب.. والأمر الثاني ينشطر إلى أمرين آخرين، إما أن تقف خلف الأديب دولة أو مؤسّسات، أو أحزاب، تقوم بالترويج لهذا الأديب أو ذاك، كما كان يحصل في بعض الدول العربية وحتى بعض الدول خارج النطاق العربي.. والثاني، أن تكون للأديب إمكانية مادية ليختار دار النشر المرموقة التي تعلم أين تصل بالنتاج المترجم. فليس كل مؤسسة أو دار نشر مترجمة لها صدى ملاعب المسابقات. وهي النقطة التي من خلالها يمكن الترويج للنتاج خلال سنوات، وليس خلال سنة الإصدار وهو ما يعني على الأديب أن يجعل له شبكة علاقات مع دور النشر والنقاد والصحافة، وهذه أيضا تأتي من خلال الترويج السياسي لمكانته أو معاناته من هذه المكانة، لأن الأغلب الأعم من الذين فازوا، كانت لهم مواقف سياسة حاضرة، وربما هناك من لا يستثني أحد في هذا الاتجاه.

إن الأمر برمته يرتبط بترجمة الأعمال، ولهذا فإن العمل قد حان بدلا من نقل العالم إلينا من قبل مؤسساتنا ومترجمينا، أن يكون الفعل المقبل هو نقل نتاجنا إلى العالم، من خلال إجراء عقود عمل الترجمة مع دور النشر العالمية، مثلما يحصل مع دور النشر العربية، التي تمنح المترجم مبالغ مالية زهيدة، في حين تلك الدور إن رأت في المادة ما هو إبداعي فإنها ستمنح للمترجم مبالغ جيدة، لأنه ليس لها عقدة في الاستماع إلى (مطربة الحي).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى